المغرب في مرمى النيران: اختبار الضغط الجيو-اقتصادي لحرب الشرق الأوسط

في خضم الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يجد المغرب نفسه، رغم المسافة الجغرافية، في قلب عاصفة من التداعيات الاقتصادية والسياسية المعقدة. فما يحدث ليس مجرد صراع عسكري بعيد، بل هو هزة عنيفة تمتد تأثيراتها عبر شبكة معقدة من المصالح والروابط الاقتصادية والاجتماعية التي تضع المغرب في منطقة تقاطع حساسة مع تفاعلات الأزمة.
يأتي الخطر الأكبر من تعطل شرايين الطاقة العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي يعبر عبره جزء كبير من نفط العالم. هذا الاضطراب لا يهدد فقط تدفق النفط الخام، بل يمتد ليشمل الغاز الطبيعي المسال ويهز الثقة في أمن الممرات البحرية الدولية برمتها.
في هذا السياق المتأزم، لا يقتصر الأمر على الارتفاع القياسي في أسعار النفط الذي شهدته الأسواق مؤخراً (حيث لامس خام برنت 119.5 دولاراً للبرميل في تعاملات متقلبة عكست “تسعير الذعر”)، بل يتعداه إلى ما هو أعمق. يشرح الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، أن ما نشهده هو “اختبار ضغط شامل لمنظومة مترابطة”. فالجغرافيا السياسية تضغط على قطاع الطاقة، الذي بدوره يرفع تكاليف النقل والتأمين والتمويل، فتنتقل العدوى إلى الأسعار ثم إلى قطاعات الصناعة والتوازنات الاجتماعية، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة مثل المغرب.
من “علاوة المخاطر” إلى “الاختناق الشبكي”
يوضح سامي أن الأسواق اعتادت على التعامل مع التوترات في الشرق الأوسط عبر إضافة “علاوة مخاطر” على السعر. لكن الوضع الحالي مختلف وأخطر. فمع تعطل مضيق هرمز وتراجع حركة الناقلات والقفز الهائل في أقساط التأمين، دخلت السوق مرحلة جديدة هي “الاختناق الشبكي”. هنا، لم يعد السعر هو الهاجس الوحيد، بل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل سيصل النفط أصلاً؟ ومتى؟ وبأي كلفة إضافية؟ في هذه المرحلة، يتحول الوقت نفسه إلى سلعة ثمينة، وأي تأخير في سلاسل التوريد يترجم حتماً إلى تضخم وضغط على الميزانيات.
فواتير باهظة على الدول المستوردة
التأثير الجيو-اقتصادي لهذه الأزمة ليس متساوياً. فبينما تملك الدول المنتجة للطاقة مساحات للمناورة بفضل احتياطياتها، تتحمل الدول المستوردة العبء الأكبر عبر أربع فواتير متلاحقة: فاتورة الاستيراد المرتفعة، وفاتورة التضخم الجامح، وفاتورة التمويل الأكثر كلفة، وأخيراً فاتورة التباطؤ الاقتصادي القسري.
في هذا الإطار، يعد المغرب نموذجاً صارخاً لهذا الانكشاف النسبي. فباعتماده على استيراد حوالي 90% من احتياجاته الطاقية، يصبح اقتصاد المغرب شديد الحساسية لأي تقلبات أو اضطرابات في سوق الطاقة العالمية. الطمأنة الرسمية بشأن المخزونات الوطنية قد تهدئ المخاوف الآنية، لكنها لا تلغي حقيقة أن المملكة تقف على خط المواجهة الأول في حرب اقتصادية عالمية، تداعياتها قد تكون أعمق أثراً من نيران الحرب نفسها.



