السيادة الطاقية: سؤال كبير ، يعكس استحضاراً لتاريخ صناعي وطاقي واعد، ومواجهة لواقع راهن مليء بالتساؤلات و الإكراهات

- من الاكتشاف إلى التكرير: بناء أساس واعد
· 1929: تأسيس الشركة الشريفة للبترول (SCP) في سيدي قاسم فعلاً كانت باكورة العمل النفطي في المغرب، واكتشاف النفط في ضواحي المدينة في نفس السنة كان مؤشراً على وجود إمكانيات وطنية.
· 1959: تأسيس شركة سامير (S.A.M.I.R) بالمحمدية كان قراراً سيادياً بامتياز، الغاية منه تأمين التكرير محلياً والحد من التبعية للخارج، وجعل المغرب قطبا صناعياً في هذا المجال.
- كيف انتقلنا من الوفرة إلى العجز؟
هذا التحول لم يكن بسبب حدث واحد، بل تراكم قرارات وتحولات هيكلية:
· نضوب الحقول القديمة: حقول البترول المكتشفة في سيدي قاسم وغيرها كانت حقولاً صغيرة نسبياً وغير قابلة للاستمرار لعقود طويلة، وتم استنزافها تدريجياً دون أن يعقبها اكتشافات كبرى تعوض النقص.
· توقف الاستكشاف لعقود: لم يتم الاستثمار بكثافة في التنقيب عن النفط والغاز في المغرب لعقود طويلة مقارنة مع دول أخرى، بسبب غياب الحوافز الكبرى والشراكات الفعالة، فتحول المغرب إلى مستورد صاف للطاقة.
· أزمة سامير وانهيار التكرير المحلي: كانت سامير تشكل 95% من قدرة التكرير الوطنية. توقف نشاطها سنة 2015 بسبب تراكم الديون والنزاعات القضائية والإشكاليات المتعلقة بالتسعيرة والمديونية العمومية أدى إلى شل قطاع التكرير بالكامل. منذ ذلك الحين، أصبح المغرب يعتمد بالكامل على المنتجات النفطية المكررة المستوردة.
- أين ضاعت السيادة الطاقية؟
السيادة الطاقية ضاعت في ثلاث لحظات فارقة:
· لحظة عدم استكمال الاكتشاف: عندما لم تترجم المؤشرات الأولى إلى صناعة استكشافية مستدامة.
· لحظة عدم إنقاذ سامير: عندما لم يتم إيجاد حل جذري وعاجل لتوقف مصفاة المحمدية، وتم استبدال التكرير المحلي بالاستيراد المباشر للغازوال والبنزين.
· لحظة تأخر التحول الطاقي: لأن الاعتماد على المحروقات المستوردة جعل الميزان الطاقي رهيناً بتقلبات الأسعار العالمية وسعر صرف الدرهم، دون بناء بدائل طاقية قوية (طاقات متجددة، تخزين، تكرير بديل) في الوقت المناسب.
- من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية هنا ليست فردية، بل هي مسؤولية تراكمية مؤسساتية وسياسية تمتد عبر عقود:
· المسؤولون المتعاقبون على قطاع الطاقة والمناجم والمالية: الذين اتخذوا قرارات بتجميد التكرير، وعدم تحديث المصفاة، وترك ملف سامير يتفاقم دون حل جذري، سواء بالتصفية أو بالشراكة الناجعة.
· غياب رؤية طويلة الأمد: لم تكن هناك استراتيجية واضحة للسيادة الطاقية تربط بين الاستكشاف، التكرير، والتخزين الاستراتيجي، بل كان التدبير آنياً، يتأرجح بين أزمات متلاحقة.
· الرهان المتأخر على الغاز والطاقات المتجددة: رغم أن المغرب قطع أشواطاً في الطاقات المتجددة (شمس ورياح)، إلا أن ذلك جاء متأخراً لتعويض العجز في أمن التكرير، ولا يزال الاعتماد على المحروقات المستوردة يتحكم في التوازنات الكبرى.
الخلاصة:
ما حدث ليس قدراً محتوماً، بل نتاج تراكم سياسات “التدبير اليومي” بدل “الاستراتيجي”. انتقلنا من امتلاك مصفاة وطنية وحقول اكتشاف إلى عجز في التكرير وارتهان كامل للاستيراد، لأن الملفات الكبرى إما تم تجميدها (الاستكشاف) أو تركها تنزف حتى توقفت (سامير).
اليوم، السؤال الأكبر الذي تطرحه هو: هل هناك إرادة حقيقية لاستعادة هذه السيادة عبر استراتيجية متكاملة تعيد النظر في ملف التكرير، والاستكشاف، والتخزين الاستراتيجي، أم أن الرهان سيبقى فقط على الغاز والطاقات المتجددة، تاركاً قطاع المحروقات عرضة للهشاشة؟



