تارودانت.. المدينة التي يُرمى فيها من تريد الدولة (أو العائلات) نسيانهم؟

تارودانت لم تعد تلك المدينة العريقة التي تفختر بأسوارها التاريخية وهويتها الأمازيغية الأصيلة، بل باتت في نظر كثيرين “وجهة” لمن يريد التخلص من أشخاص باتوا عبئاً في مناطقهم الأصلية؛ مختلين عقلياً، ومشردين، وافارقة بلا مأوى، يُجلبون من أنحاء المغرب ويُرمون في شوارع المدينة كما تُرمى النفايات.
هذه الظاهرة، التي يصفها السكان بأنها “ممنهجة”، تتفاقم في صمت، يوما بعد يوم ، محولة المدينة إلى “بؤرة استقبال قسري” للفئات الهشة و المختلة عقليا .
شهادات المواطنين: “الخوف والشفقة”
يقول مصطفى، وهو تاجر في سوق جنان الجامع : “منذ حوالي عامين، بدأنا نلاحظ ظاهرة غريبة. تستيقظ لتجد شخصاً لا تعرفه، لا يتكلم بوضوح، نائماً أمام باب محلك. هؤلاء ليسوا من أبناء المنطقة. نعرف حارتنا جيداً”. ويضيف متأثراً: “الأمر مؤلم حقاً، خاصة عندما نكتشف أن بعضهم لديه أطفال في الخيرية (مؤسسة الرعاية الاجتماعية) في مدن أخرى، تم التخلص منهم هنا ببساطة” .
أما فاطمة (ربة بيت)، فتصف مشهداً يومياً مألوفاً في حي “احفير ” قائلة: “عندنا واحد ‘الحاج’ لا نعرف اسمه الحقيقي، موجود هنا منذ سنة. كنا نظن أنه مجرد مجنون عادي، حتى جاء أحد أقاربه من طنجة ليبحث عنه. اتضح أن عائلته هي من أوصلته بالسيارة وتركته هنا بحجة أنه لم يعد يطاق”. وتضيف: “منذ ذلك اليوم، وأنا أخاف على مستقبل أبنائي. أي أحد غير مرغوب فيه يمكن أن يُرمى في حارتنا بين عشية وضحاها” و يهدد سلامتك.
قراءة حقوقية: إجرام اجتماعي منظم
تنظر الجمعيات الحقوقية إلى الأمر بجدية أكبر. يوضح ناشط في جمعية “الكرامة” لحقوق الإنسان (فضل عدم الكشف عن اسمه): “ما يحدث في تارودانت هو ‘جريمة إنسانية’ بامتياز. نقل شخص فاقد الأهلية من بيئته الأصلية وتركه في مدينة نائية هو شكل من أشكال التعذيب النفسي والإهمال القسري. الأمر لا يتعلق فقط بالعائلات المتخلية عن مسؤولياتها، بل بتواطؤ أو قصور رهيب من قبل السلطات المحلية التي تتعامل مع هذه الفئات كـ ‘نفايات’ تُنقل من منطقة إلى أخرى بدلاً من إيوائها في مؤسسات متخصصة”.
وتضيف الجمعية في تقرير غير معلن: “الأكثر إيلاماً هو أن بعض هؤلاء الأشخاص تظهر عليهم علامات العنف الجسدي، مما يشير إلى أنهم تعرضوا للإساءة قبل أن يتم رميهم. تارودانت تحولت إلى ‘مكب بشري’ بعيد عن أعين الإعلام، وهذه وصمة عار في جبين حقوق الإنسان” .
الجمعيات الخيرية: “مشكلة لا تحتمل وصمت رسمي”
في الميدان، تواجه الجمعيات الخيرية المحلية أزمة خانقة. تقول نادية العمري، رئيسة جمعية “إشراق” لرعاية المحتاجين: “نحن نتلقى اتصالات يومية من المواطنين لإيواء شخص جديد ظهر في الشارع. طاقتنا لا تسمح. لدينا مركز صغير يتسع لـ 12 شخصاً فقط، لكن المدينة لديها العشرات من هؤلاء المساكين”.
وتصف الوضع بالـ”كارثي”: “الأدهى من ذلك أننا حين نحاول التواصل مع المصالح الخارجية (الولاية) أو دور الرعاية الاجتماعية في مدن هؤلاء الأشخاص لإعادتهم، نجد صعوبات بيروقراطية هائلة. وكأن أحداً لا يريدهم أن يعودوا. هناك شعور لدي بأن هناك جهات تريد تخفيف الضغط على المدن الكبرى بإفراغ حمولتها البشرية هنا، في تارودانت البعيدة عن الأضواء” .
لماذا تارودانت؟
ويطرح سكان المدينة السؤال بمرارة: لماذا تارودانت بالذات؟ هل لبعدها الجغرافي عن العواصم الإعلامية؟ هل لضعف رقابة مؤسساتها؟ أم أن ثمة من يراها مدينة من الدرجة الثانية لا يُحسب حسابها؟
خالد (موظف)، يعلق بسخرية: “هنا لا كاميرات، ولا صحافة كبرى، ولا ‘سينسوار’. تارودانت بالنسبة للبعض هي ‘سلة المهملات’ الرسمية للبشر. أين السلطات؟ أين الوالي؟ لماذا لا نرى تحقيقاً في مصدر هؤلاء المساكين؟” .
المطلوب: إجراءات فعلية
المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة عابرة، بل تحقيق فوري في أصول هؤلاء الأشخاص وكيفية وصولهم إلى تارودانت، مع تتبع السيارات التي تنقلهم ليلاً. كما يُطالب النشطاء بمحاسبة كل من يثبت تورطه في هذا التهجير القسري، سواء كانوا أفراداً أو جهات، وخطة اجتماعية حقيقية تعيد لهؤلاء كرامتهم، وتعيد لتارودانت احترامها الذي تستحقه بأسوارها وتاريخها.








