صمتٌ يطول في عامه السابع والسبعين: أين العالم العربي والإسلامي من تركستان الشرقية؟

في الأول من أكتوبر 1949 أعلنت الصين الشيوعية قيام جمهوريتها، وبعد أسابيع دخلت قواتها إقليم تركستان الشرقية، الذي أعادت تسميته “شينجيانغ” أي “الحدود الجديدة”. ومرّت اليوم سبعة وسبعون عامًا على ذلك التاريخ، وما زال أهل هذه الأرض المسلمة، وهم الأويغور والكازاخ والقرغيز وغيرهم، يدفعون ثمن الجغرافيا والهوية معًا.
أرضٌ غنية وشعبٌ مُفقَر
تمتد تركستان الشرقية على مساحة تتجاوز مليون ونصف مليون كيلومتر مربع، وتقع على مفترق طرق آسيا وعلى خط مبادرة “الحزام والطريق”. وهي من أغنى أقاليم الصين بالنفط والغاز والفحم والمعادن، وتنتج حصة كبيرة من القطن الصيني. غير أن هذه الثروات خدمت “النهضة” الاقتصادية والعسكرية لبكين، بينما تحدّثت منظمات حقوقية عن تهميش أهل الأرض الأصليين وسلب أراضيهم وممتلكاتهم.
سياسات تستهدف الهوية
تتحدث تقارير منظمات حقوقية دولية وباحثين وشهود عيان، إضافة إلى تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الصادر في أغسطس 2022، عن سياسات واسعة تمس كل جوانب حياة الإيغور:
- الاحتجاز الجماعي: تقدّر جهات مستقلة عدد المحتجزين في معسكرات “إعادة التأهيل” والسجون بأكثر من مليون شخص. وخلص تقرير الأمم المتحدة إلى أن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
- استهداف المقدسات: هدم أو تغيير معالم آلاف المساجد والمزارات، وتجريف مقابر، كما وثّقته صور الأقمار الصناعية وتحقيقات صحفية.
- تقييد الشعائر: منع الصيام على الموظفين والطلاب والقاصرين في بعض المناطق، وحظر اللحى والحجاب وأسماء “دينية”، وتقييد تعليم القرآن.
- الهندسة الديموغرافية: تحديد صارم للنسل، وحملات تعقيم ووسائل منع الحمل، وفق ما أوردته تحقيقات صحفية وبيانات رسمية صينية أظهرت انخفاضًا حادًا في معدلات المواليد في الإقليم، مع تشجيع الاستيطان من الداخل الصيني.
- تفكيك الأسرة: فصل أطفال عن ذويهم المحتجزين وإلحاقهم بمدارس داخلية، وتشجيع الزواج المختلط، وهو ما تصفه جهات حقوقية بأنه سياسة تذويب.
- العمل القسري ونقل العمالة: برامج نقل العمالة إلى الداخل الصيني التي تثير شبهة الإكراه، وقد دفعت دولًا إلى سنّ تشريعات تحظر استيراد منتجات مرتبطة بها.
وتنفي بكين هذه الاتهامات جملةً، وتقول إن المعسكرات “مراكز تدريب مهني” أُغلقت، وإن سياساتها تكافح الإرهاب والتطرف. لكن شهادات الناجين والوثائق المسرَّبة، مثل “أوراق شينجيانغ”، وتقارير الأمم المتحدة، تضعف هذه الرواية، كما أن الصين ترفض السماح بتحقيق مستقل وحر في الإقليم.
أين منظمة التعاون الإسلامي؟
هنا يبرز السؤال المؤلم. فمنظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة وتقدّم نفسها “الصوت الجماعي للعالم الإسلامي”، ما فتئت تصدر بيانات حول فلسطين والقدس وحقوق الأقليات المسلمة في بلدان عدة، لكنها تتعامل مع قضية الإيغور بحذر شديد. وفي عام 2019 أشاد بيان صادر عن المنظمة بجهود الصين في رعاية مواطنيها المسلمين، وهو موقف أثار استغرابًا واسعًا واعتُبر تراجعًا عن مبدأ نصرة المسلمين أينما كانوا.
أما جامعة الدول العربية فلم تتخذ موقفًا يُذكر. وفي أكتوبر 2022، حين طُرح في مجلس حقوق الإنسان بجنيف مشروع قرار يقترح مجرد مناقشة تقرير الأمم المتحدة حول شينجيانغ، سقط المقترح بفارق ضئيل من الأصوات، وكان من بين الدول التي صوّتت ضده أو امتنعت عدد من الدول العربية والإسلامية. وفي مناسبات أخرى وقّع بعضها رسائل مشتركة تدعم سياسات الصين في الإقليم.
لماذا الصمت؟
تتداخل في تفسير هذا الموقف اعتبارات عدة:
- المصالح الاقتصادية: الصين شريك تجاري واستثماري ضخم لمعظم هذه الدول، ومصدر رئيسي لقروض البنية التحتية ومشاريع الطاقة.
- الحسابات السياسية: حاجة بعض الحكومات إلى دعم بكين في مجلس الأمن وغيره من المحافل.
- تشابه المواقف الداخلية: حساسية بعض الأنظمة من فتح ملف حقوق الإنسان خشية أن يُفتح عليها.
- الخوف من الانتقام: هناك تقارير عن ضغوط على لاجئين إيغور في دول إسلامية، وعن ترحيل بعضهم إلى الصين.
كلفة الصمت
غير أن ثمن هذا الصمت لا يقتصر على الضحايا. فحين تتخلى الأمة عن مبدأ نصرة المستضعفين لقاء مصالح آنية، تفقد رصيدها الأخلاقي، ويصبح خطابها عن فلسطين وغيرها أضعف حجة أمام العالم. كما أن المسلمين في الغرب هم الذين حملوا الملف في كثير من الأحيان، من برلمانات ومنظمات مدنية وصحفيين، بينما غابت عنه العواصم التي يُفترض أنها الأقرب.
ما المطلوب؟
لا يُطلب من الحكومات قطع علاقاتها مع بكين، بل أمور أدنى بكثير:
- المطالبة العلنية بتحقيق دولي مستقل وبدخول مراقبين وصحفيين إلى الإقليم.
- امتناع المنظمات الجامعة عن إصدار بيانات تُبيّض الانتهاكات.
- وقف ترحيل اللاجئين الإيغور وتوفير الحماية لهم.
- دعم النقاش في المحافل الأممية بدل عرقلته.
- فتح المجال أمام الإعلام والمجتمع المدني والعلماء والدعاة للتعريف بالقضية.
خاتمة
سبعة عقود ونصف العقد من عمر الاحتلال، والسؤال ما زال معلقًا: إلى متى يبقى مصير أكثر من عشرين مليون إنسان رهين المصالح؟ إن نصرة المظلوم ليست ترفًا سياسيًا، بل التزام أخلاقي وديني، والسكوت عن الظلم الواقع على الإيغور وإخوانهم في تركستان الشرقية وصمة في جبين من يملك القدرة على الكلام ويختار الصمت.








