أخبار عامة

“خطة الصبر حتى القبر”:البرنامج الحكومي المغربي 2026-2031 بين وعود التأجيل وقلق المعيشة

انتقدت أوساط واسعة في المغرب البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي عرضته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، واصفةً إياه بأنه “حكومة تهميش وتجويع”، إذ يرى المنتقدون أن معظم الإجراءات الاجتماعية الرئيسية مؤجلة إلى نهاية الولاية الحكومية، بينما يتحمل المواطنون وطأة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية في الوقت الراهن.

وقد تضمن البرنامج تعهدات برفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات تدريجياً إلى 3000 درهم، ومنح الأرامل معاشاً يعادل كامل حقوق الزوج المتوفى، ودعم فواتير الكهرباء لمن لا تتجاوز استهلاكه 100 درهم شهرياً . غير أن الجدل الأكبر تركّز على توقيت التنفيذ، إذ جرى ربط معظم هذه الإجراءات بأفق 2031، ما دفع المعارضة إلى اعتبارها “وعوداً انتخابية مؤجلة” لا استجابةً عاجلة للأزمة المعيشية.

انتقادات التوقيت: “عيش اليوم بـ 16 درهماً وانتظر 2031”

الانتقاد الأبرز الذي صاغه الرأي العام المعارض تمثل في أن رفع الدعم إلى 1000 درهم لن يتحقق إلا في نهاية الولاية الحكومية، أي بعد خمس سنوات من الآن. وبحساب بسيط، فإن أسرة تستفيد حالياً من 500 درهم شهرياً تحصل على نحو 16.6 درهم يومياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أساسية في ظل الأسعار الحالية. واعتبر النائب البرلماني عن المعارضة أسامة بريك أن “عرض الخطوط العريضة لا يكفي وحده لتكوين حكم نهائي”، مطالباً بالوثيقة التفصيلية والوسائل القانونية والمالية للتنفيذ . في حين ذهب إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق حزب العدالة والتنمية، إلى أن رئيسة الحكومة “أجلت مجموعة من الأمور التي وعدت بها ووعد بها حزبها إلى 2031، وهذا أمر غير مقبول” .

المعاشات والأرامل: حماية اجتماعية “بنكهة المقابر”؟

فيما يخص المعاشات، تعهد البرنامج برفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجياً إلى 3000 درهم شهرياً، وتمكين الأرامل من معاش يعادل كامل حقوق الزوج المتوفى . غير أن هذين الإجراءين يظلان مرتبطين بشرط زمني وموضوعي صارم: الأول يحتاج إلى سنوات من العمل والمساهمة، والثاني لا يتحقق إلا بعد وفاة الزوج. وقد سخر المنتقدون من هذا الطرح بالقول إن “الحماية الاجتماعية بنكهة المقابر”، فالمرأة لا تحصل على المعاش الكامل إلا إذا مات زوجها أولاً، والمتقاعد لا يرى زيادة معاشه إلا إذا بقي على قيد الحياة حتى 2031.

دعم الكهرباء: 100 درهم “تقدم رقمي بامتياز”

تضمن البرنامج أيضاً التزاماً بدعم فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً للمساكن الرئيسية للأسر المستحقة، بصورة تلقائية ودون طلبات إدارية . وبالنظر إلى أن 100 درهم لا تغطي سوى استهلاك محدود جداً (مصباح وثلاجة مثلاً)، فإن ما يزيد عن ذلك يبقى على عاتق المواطن. وقد اعتبر المنتقدون أن هذا الإجراء يشكل “تقدماً رقمياً” شكلياً، إذ يضع سقفاً منخفضاً للدعم ويترك الأسر تواجه الزيادات المتبقية وحدها.

محاربة الغلاء: “الأسطوانة المشروخة منذ 2008”

تعهد البرنامج بمحاربة الغلاء وضبط الأسواق، وهو وعد يتكرر في البرامج الحكومية المتعاقبة. غير أن الأسعار واصلت ارتفاعها، إذ شهدت أسعار الأضاحي واللحوم الحمراء والأسماك مستويات قياسية. ويرى المنتقدون أن “إصلاح مسالك اللحوم” لا يعالج جذور المشكلة، بل يظل المواطن هو من يدفع الثمن. ولم تتضمن الوثيقة الحكومية آليات واضحة لكبح جماح الأسعار في الأمد القريب.

إصلاح الضريبة والتقاعد: “استدامة الصناديق لا استدامة المتقاعد”

في ملف الضريبة على الدخل، تعهدت الحكومة بمراجعة تدريجية لزيادة صافي الأجور . لكن المعارضة رأت في ذلك “أخذاً بذكاء أكبر”، إذ لا توجد ضمانات بأن تحسين الأجر الصافي سيعوض ارتفاع الأسعار. أما إصلاح التقاعد، فوصفه البرنامج بأنه “شامل يضمن استدامة الصناديق”، وهو ما فسره المنتقدون بأن المواطن سيدفع أكثر ويعمل أكثر، بينما تبقى استدامة معاشه الشخصي غير مضمونة، خاصة مع غياب جدول زمني واضح .

إصلاح الصحة: “موت رقمي موثق”

تعهد البرنامج بمعالجة الخصاص في القطاع الصحي وتحسين الاستقبال عبر نظام معلوماتي وطني . غير أن الواقع الحالي يشهد نقصاً حاداً في الأطر الطبية والتجهيزات في العديد من المستشفيات، كما أشار النائب يونس ملال إلى “نقص في الموارد البشرية والتجهيزات” في مستشفى مكناس الإقليمي . واعتبر المنتقدون أن الرقمنة وحدها لا تعالج غياب الأطباء والأدوية، وأن المواطن قد يجد نفسه “مسجلاً في النظام” دون أن يجد من يعالجه.

خلاصة: وعود مؤجلة وثقة متآكلة

يطرح البرنامج الحكومي 2026-2031 إشكالية أساسية: هل يمكن بناء الثقة في الإجراءات الاجتماعية عندما تُربط بأفق زمني بعيد، بينما تتفاقم الأزمة المعيشية الآن؟ تؤكد المعارضة، بما فيها أحزاب كانت في الأغلبية سابقاً، أن غياب التمويل الواضح والجدول الزمني الملزم يحوّل هذه التعهدات إلى “إعلان نوايا” . وبينما تصف الحكومة برنامجها بأنه “تعاقد سياسي ومؤسساتي” ستُقاس مسؤوليته بالنتائج ، يرى المواطن العادي أن النتائج الوحيدة الملموسة حتى الآن هي الانتظار: انتظار 2031 للمعاش، وانتظار موت الزوج لمعاش الأرملة، وانتظار أن يكفي 100 درهم للكهرباء.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button