أخبار عامة

من “مستهلك” إلى “صانع”: المغرب يخطو نحو سيادة دفاعية بشراكة كندية

في المنطقة الصناعية بالنواصر جنوب الرباط، تتشكل ملامح تحول استراتيجي في موقع المغرب داخل خريطة الصناعات الدفاعية. شركة “INKAS” الكندية العملاقة تتقدم في مباحثات متقدمة مع الجانب المغربي لإنشاء مصنع متكامل يشمل تصنيع مدرعات “INKAS M1” المضادة للألغام وإنتاج الدرون الاعتراضي “أنوري”، في خطوة تعكس انتقالاً نوعياً من مرحلة استيراد السلاح إلى مرحلة التصنيع المحلي والقدرة على التصدير مستقبلاً.

ووفق المعطيات المتاحة، يتراوح حجم الاستثمار الأولي للمشروع بين 50 مليون و400 مليون درهم، حسب طبيعة خطوط الإنتاج وعمق نقل التكنولوجيا. وكشف ممثلو “INKAS” خلال معرض مراكش للطيران 2026 أن الشركة وقعت مذكرة تفاهم مع مجموعة “MEDZ” التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، لدراسة اختيار الموقع ومسار تنفيذ المشروع. ورغم أن الاتفاق النهائي لم يُوقع بعد، وأن طاقة الإنتاج ونسبة الاندماج المحلي لا تزالان قيد التحديد، فإن هذا التوجه بحد ذاته يكشف منطقاً واضحاً في المقاربة المغربية: تبادل الوصول إلى السوق مقابل قدرات صناعية، والشراكة الخارجية كرافعة للتحكم الذاتي.

خيارات تقنية بعقلانية تكتيكية

المنصتان المزمع إنتاجهما تستجيبان بدقة للواقع الأمني والاحتياجات العسكرية للمغرب.

مدرعة “INKAS M1” ليست مجرد ناقلة جنود مصفحة. فهي تعتمد هيكلاً أحادياً على شكل V مع مقصورة محمية بالتدريع الباليستي، مصممة وفق معايير الناتو STANAG 4/4A و4B، وتوفر حماية شاملة من الرصاص والانفجارات، مع تحسين خاص ضد الألغام والعبوات الناسفة والكمائن. هيكلها المعياري يتيح تكييفها لمهام نقل القوات والقيادة والسيطرة والاستطلاع والإخلاء الطبي، مع أنظمة رئيسية متوافقة مع معايير التشغيل المشترك لدول الناتو. وبالنسبة للمغرب، يعني هذا تعزيزاً ملموساً لقدرة البقاء والمرونة التكتيكية لقواته البرية في مهام الصحراء والحدود.

أما الدرون “أنوري” فله دلالة استراتيجية أعمق. فهو اعتراضي موجّه بالذكاء الاصطناعي، مصمم خصيصاً لمواجهة مسيرات FPV والطائرات المسيّرة التجارية المعدلة والتهديدات منخفضة الارتفاع. وتكمن المعضلة المركزية في الدفاع الجوي الحديث في أن اعتراض طائرة مسيّرة رخيصة بصاروخ دفاع جوي تقليدي يخلق معادلة تكلفة غير مجدية. ومنطق تصميم “أنوري” يقوم على استخدام منصة منخفضة التكلفة لمواجهة هدف منخفض القيمة، عبر الاصطدام أو التفجير القريب، مما يمنح الطرف المدافع قدرة استنزافية مستدامة. وإذا تمكن المغرب من إنتاج هذا النوع محلياً، فهذا لا يعني فقط توفير “درع ذكي” للمنشآت الحيوية والقوات البرية، بل يكشف أيضاً عن إدراك استباقي لطبيعة الحروب الحديثة، خاصة تداخل أسراب المسيرات مع الحرب الإلكترونية في المعارك غير المتكافئة.

التحول العميق في المنطق الصناعي

بعيداً عن المعدات المحددة، يكمن الوزن الحقيقي لهذا المشروع في طابعه الصناعي.

المسار المغربي في الصناعات الدفاعية أصبح تدريجياً أكثر وضوحاً: ففي مجال الطيران، انتقلت المملكة من مجرد تجميع القطع إلى التصنيع والهندسة المتقدمة، مع وجود قواعد إنتاج لشركات بوينغ وإيرباص وبرات آند ويتني في المغرب. وأكد الوزير المنتدب المكلف بالدفاع، عبد اللطيف لوديي، خلال معرض مراكش للطيران 2026 أن المغرب يعمل على الانتقال من نموذج “استيراد القدرات الدفاعية” إلى نموذج “بناء قدرات دفاعية وطنية وسيادية”. ومشروع “INKAS”، إذا تحقق، سيكون ترجمة فعلية لهذا الخطاب في مجال معدات القوات البرية والمسيرات.

وفي السياق نفسه، تعتزم شركة “MKU Limited” الهندية إنشاء مصنع قرب النواصر لإنتاج الأنظمة الكهروبصرية ومعدات الحماية الباليستية، مع اتخاذ المغرب قاعدة تصدير نحو الأسواق الأفريقية. تقاطع هذين المسارين في الموقع الجغرافي ذاته يوحي بأن ما يتشكل في النواصر ليس مجرد مصنع، بل نواة تجمع صناعي دفاعي. فبالنسبة للمغرب، تتجاوز أهمية جذب الاستثمار الأجنبي للتصنيع تلبية الاحتياجات العسكرية الوطنية. فهي تعني بناء منظومة تكوين المهندسين والتقنيين، وتنمية سلاسل التوريد المحلية، والحصول على شهادات الجودة والاعتماد الصناعي الضرورية للتصدير مستقبلاً نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

أجندة لم تكتمل

بطبيعة الحال، بين “المباحثات المتقدمة” و”أول منتج يخرج من خط التجميع” متغيرات لا يمكن تجاهلها. فمشروع “INKAS” لم يكشف بعد عن حجم الإنتاج النهائي، ولا عن المستوى الدقيق لنقل التكنولوجيا، ولا عن مدى مشاركة الشركات المغربية في الكيان المشترك. وإذا ظل النموذج النهائي عند مستوى تجميع المكونات، فستتراجع قيمته الاستراتيجية بشكل كبير؛ أما إذا شمل تصنيع الأنظمة الفرعية الأساسية ومشاركة القدرات التصميمية، فستحصل القاعدة الصناعية الدفاعية المغربية على قفزة حقيقية.

وهناك بُعد آخر يستحق المتابعة: التوقيت. فالطموح الدفاعي المغربي لا يُنفذ بمعزل عن غيره؛ فشركة الصناعات العسكرية المغربية المرتبطة بـ”إلبيت سيستمز” الإسرائيلية تخطط لبدء تسليم أبراج المدرعات في مارس 2027، ومصنع “MKU” الهندي في طور الإنجاز. وتداخل هذه المشاريع زمنياً يعني أن المغرب يراهن في الوقت نفسه على مسارات تقنية متعددة، محاولاً إنجاز قدرات صناعية تحتاج عادة أكثر من عشر سنوات من التراكم في غضون سنوات قليلة. ويكمن خطر هذا النموذج المضغوط في جودة التحكم واستيعاب التكنولوجيا، لكن إذا أُدير بفعالية، فإن عائده سيادة استراتيجية تنمو بشكل أسي.

بالنسبة لجيش ظل طويلاً يعتمد على الإمداد الخارجي، فإن وجود خط إنتاج محلي بحد ذاته يشكل ردعاً. فهو يعني إمكانية تعويض الخسائر في زمن الحرب بسرعة أكبر، وتكييف المعدات بشكل يلائم التضاريس والعقيدة القتالية الوطنية، والأهم من ذلك، أن المغرب لم يعد مجرد مشترٍ سلبي على طاولة مفاوضات التسليح. والرسالة القادمة من النواصر واضحة: المغرب لم يعد يكتفي بامتلاك جيش مجهز بأحدث المعدات، بل يريد امتلاك القدرة على صناعة هذه المعدات. ونجاح هذه الخطوة من عدمه سيحدد وزنه الفعلي في مشهد الأمن في شمال أفريقيا والساحل خلال العقد المقبل.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button