تقرير رقابي يفجّر اختلالات مالية وتجاوزات قانونية في مجلس جهة سوس ماسة

كشف التقرير النهائي المشترك بين المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، برسم سنتي 2022 و2023، عن حزمة من الاختلالات المالية والتجاوزات القانونية الخطيرة التي شابت تدبير الصفقات والطلبيات العمومية بمجلس جهة سوس ماسة، الذي يترأسه كريم أشنكلي. وطالت الملاحظات الصفقات العمومية والصفقات التفاوضية وسندات الطلب والعقود المبرمة مع شركات خاصة، مما يضع تدبير المجلس الجهوي تحت مجهر المساءلة.
مبالغة في التكاليف وإقصاء غير مبرر للمتنافسين
أوقف التقرير، الذي اطلعت عليه وسائل إعلام وطنية، عند اختلالات كبرى في الصفقة رقم 2022/10 الخاصة بإعداد برنامج التنمية الجهوية. ورصد المفتشون مبالغة في الكلفة التقديرية المقترحة من طرف الأمر بالصرف، التي بلغت 6.36 مليون درهم دون الاستناد إلى معايير موضوعية، مما أدى إلى إبرام الصفقة بكلفة مرتفعة ناهزت 5.91 مليون درهم .
ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد، بل شملت إدراج مهمة ثانية داخل الصفقة ذاتها تتعلق بـ”مواكبة الجهة في تنفيذ برنامجها”، بتكلفة إضافية بلغت 1.47 مليون درهم، وهي مهمة كان يسهل إسنادها إلى أطر الجهة والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، بالنظر إلى الخبرات المكتسبة والموارد البشرية المتوفرة .
كما رصد التقرير إقصاء ثلاثة متنافسين بشكل غير مبرر قانونياً خلال التقييم التقني للصفقة ذاتها، بالاعتماد على بند في نظام الاستشارة يخالف مقتضيات المادة 154 من مرسوم الصفقات العمومية، التي تنص على أن الإسناد يتم عبر إجراء الترجيح بين النقطتين التقنية والمالية .
صفقات تفاوضية خارج القانون وأداءات غير مبررة
في سياق متصل، كشف تحقيق مفتشي الداخلية والمالية عن لجوء إدارة الجهة إلى إبرام صفقات تفاوضية دون الحصول على الترخيص المسبق والصريح من وزير الداخلية أو المفوض من لدنه، كما وقع في الصفقتين التفاوضيتين رقم 2022/06 ورقم 2022/11 .
وأظهر التقرير حالة أداء غير مبررة في الصفقة التفاوضية رقم 2022/06 المتعلقة بكراء خيمة ومستشفى ميداني لمواجهة جائحة كوفيد-19، حيث جرى إسناد الصفقة للشركة نفسها التي نفذت الصفقة الأولى رقم 2021/14، بالمبلغ نفسه، أي 4.896.000 درهم، رغم أن كافة التجهيزات والخيمة كانت قائمة وموجودة في عين المكان. وأشار التقرير إلى أن هذا الإجراء مكن المقاولة من نيل مبالغ النقل والتركيب والتفكيك مرتين، دون إنجاز تلك الخدمات في الصفقة الثانية .
وفي حالة أخرى، كشفت عملية الافتحاص عن إسناد الصفقة التفاوضية رقم 2022/01، البالغة قيمتها 1.6 مليون درهم، والمتعلقة بحملات التلقيح، لمنافس لا يتوفر على المؤهلات التقنية والشواهد المرجعية المطابقة، حيث تقتصر شواهد المقاولة على تنظيم المهرجانات الفنية وكراء أجهزة الصوت، في حين أن موضوع الصفقة يتعلق بتوفير عربات مجهزة وتهيئة 57 موقعاً ميدانياً .
سندات الطلب.. تحايل على السقف القانوني
أزاح التقرير الستار عن تجاوزات شابت مسطرة إبرام سندات الطلب، حيث رصد المفتشون إلزام الجهة بنفقات مرتفعة تلامس السقف الأقصى المسموح به قانوناً، المحدد في 200.000 درهم، اعتماداً على تقديم بيانات أثمان تتجاوز هذا الحد في ثماني حالات على الأقل .
سياق سياسي مشحون داخل المجلس الجهوي
تأتي هذه الخلاصات الرقابية في ظرف سياسي دقيق يعيشه مجلس جهة سوس ماسة، حيث تعاني الأغلبية المسيرة من صعوبات متكررة في ضمان النصاب القانوني لعقد اجتماعاتها. وكان آخر هذه التعثرات خلال دورة أكتوبر، التي تعذر انعقادها بسبب غياب عدد كبير من المنتخبين من مختلف المكونات السياسية .
وفي خضم هذا المناخ، تتزايد الضغوط على رئاسة المجلس، خاصة بعد إعلان كريم أشنكلي استقالته من مهمة التنسيق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وسط تداولات عن احتمال عودته إلى حزب الأصالة والمعاصرة . ويُنظر إلى هذه التطورات السياسية كعامل إضافي قد يؤثر على قدرة المجلس على التعامل مع مخرجات التقرير الرقابي واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.
انتظارات المساءلة
تضع هذه الخلاصات مجلس جهة سوس ماسة أمام استحقاق المساءلة والشفافية في تدبير المال العام. فالتجاوزات الموثقة، من مبالغات في التكاليف إلى إقصاء غير قانوني للمتنافسين وأداءات غير مبررة، تطرح أسئلة جدية حول حكامة الصفقات العمومية على مستوى الجهة، وتستدعي تفعيل آليات الرقابة والتتبع لضمان احترام المساطر القانونية وحماية المال العام.



