صوت وصورةمجتمعمنوعات

مولاي محمد بن عيسى الوزاني الإدريسي: رحلة في التصوف والعمل المجتمعي

برز الشريف مولاي محمد بن عيسى الوزاني الإدريسي كواحد من الشخصيات التي جمعت بين الإرث الروحي والعمل الجمعوي، مستندًا إلى جذوره الأصيلة التي شكلت أساس مسيرته الصوفية والدينية. من نشأته في بيت شريف إلى انخراطه في العمل الصوفي والجمعوي، تعددت محطات حياته التي تعكس تطور شخصيته وتجربته الفريدة.

نشأة بين الأصالة والتدين

ولد مولاي محمد بن عيسى في أسرة شريفة تحمل في جذورها إرثًا روحيًا عريقًا، إذ ينحدر والده من الشرفاء الوزانيين الذين تعود أصولهم إلى الأدارسة، بينما تنحدر والدته من الأسرة العلوية، التي جاءت مع السلطان المولى الحسن الأول من شرق المغرب واستقرت في تارودانت. هذا المزيج بين النسب الشريف والبيئة الدينية المحافظة، شكّل أساسًا قويًا في نشأته.

قضى طفولته في مدينة أكادير، حيث تلقى تعليمه الأولي في “كتاب” الحي تحت إشراف الفقيه المعروف بـالسي عدي. وخلال العطل الصيفية، كان يرافق والدته إلى تارودانت، حيث التحق بمسيد درب فرق الحباب لتعلم القرآن الكريم وأصول الدين على يد الفقيه سيدي حماد أوعلي التفراوتي.

التصوف: بداية العلاقة الروحية

في مجتمع كان يمزج بين التدين التقليدي والاحتفاء بالصوفية، كانت علاقة مولاي محمد بالتصوف تبدأ من خلال الممارسات اليومية التي عرفها المغاربة، مثل قراءة البردة والهمزية بعد الصلوات. لكن انخراطه الفعلي في التصوف بدأ عندما تعرف على الزاوية التيجانية في شبابه، من خلال المناسبات الدينية التي كان يقيمها المرحوم سيدي الحاج المدني التاناني، الذي أشرف على الزاوية ومسجد الحي. هذا الشيخ كان له دور كبير في تعريف مولاي محمد بأسرار التصوف وممارساته.

التحول الكبير بعد وفاة والدته

شكلت وفاة والدته سنة 1995 نقطة تحول كبرى في حياته الروحية. أثناء الليلة التأبينية، حضر مسعيو الطريقة القادرية البودشيشية، حيث تأثر بشدة بالسماع الروحي الذي أدّوه. هذا اللقاء الروحي دفعه لاكتشاف الطريقة عن قرب، بناءً على اقتراح أحد مريديها. بعد حضوره بعض أذكار الطريقة، بايع شيخها سيدي حمزة بن العباس، وأصبح واحدًا من مريدي الزاوية البودشيشية.

دوره داخل الزاوية القادرية البودشيشية

تميز مولاي محمد بن عيسى بحضور قوي داخل الزاوية، حيث جمع بين الروحانية والعمل التنظيمي. وبفضل خبرته في المجال الجمعوي والشبابي، استطاع تحقيق إنجازات مهمة، أبرزها:

تنظيم أول أمسيات دينية في الفضاءات العامة، مما ساهم في تعريف الناس بالطريقة خارج نطاق الزاوية.

الإشراف على أول مخيم لبراعم الزاوية بسوس، بهدف ترسيخ القيم الروحية لدى الأجيال الصاعدة.

المشاركة كعضو فعال في مجلس الزاوية ومجلس المتفقدين.

إرشاد الشباب وتنسيق الأنشطة بين الزاوية والإدارة العامة.

التغير في أواخر مسيرته الروحية

رغم التزامه الطويل بأوراد الزاوية وعمله المتفاني داخلها، بدأ مولاي محمد يشعر بتغير في علاقته الروحية بالطريقة أواخر سنة 2024. لم يعد يتذوق نفس الذوق الروحي الذي كان يربطه بالزاوية، ما دفعه لإعادة تقييم تجربته الصوفية الطويلة التي استمرت حوالي ثلاثين عامًا.

إرث مولاي محمد بن عيسى: بين التصوف والعمل المجتمعي

تجربة مولاي محمد بن عيسى الوزاني الإدريسي تمثل نموذجًا فريدًا لشخصية جمعت بين التصوف والعمل المجتمعي. فقد كان له دور كبير في نشر قيم التصوف وتطوير العمل الجماعي داخل الزاوية وخارجها. ورغم التغيرات التي شهدتها علاقته الروحية، يبقى أثره حاضرًا في كل المبادرات التي كان وراءها، سواء في العمل الديني أو الشبابي.

يبقى مسار الشريف مولاي محمد بن عيسى درسًا عميقًا في كيفية المزج بين الروحانية والالتزام الاجتماعي، وفي البحث المستمر عن المعنى الروحي الذي يثري حياة الإنسان ويمنحه أفقًا أسمى.

Related Articles

Back to top button