صدر مؤخراً كتاب جديد بعنوان “الجامع الكبير بتارودانت: انبعاث صرح حضاري”، من تأليف الباحث نور الدين صادق وتحت إدارة نشر عبد اللطيف وهبي. هذا الكتاب يعيد إحياء تاريخ الجامع الكبير بمدينة تارودانت، مبرزا دوره العلمي، الثقافي، والإنساني، بالإضافة إلى اهتمام الملوك والسلاطين به عبر التاريخ.
يضم الكتاب وثائق تاريخية نادرة وصوراً تعكس تطور الجامع على مر العصور، بدءًا من العهد السعدي وصولاً إلى العهد العلوي. كما يستعرض الكتاب ما يتعلق بأجور الأساتذة، وأنظمة العمارة والزخرفة، وما تحتويه مكتبة الجامع من مخطوطات نادرة. ويسلط الضوء على الزيارات الملكية المتكررة لهذا المعلم، من بينها زيارات السلاطين إسماعيل ومحمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس.
أحد أبرز فصول الكتاب يفتتح بقصيدة للشاعر مولاي الحسن الحسيني، التي كتبها عقب الحريق الذي تعرض له المسجد في عام 2013، مستذكراً تعافي الجامع من الحريق والجهود التي بذلت لإعادة ترميمه، بفضل التكفل الشخصي للملك محمد السادس بعملية الإصلاح.
نور الدين صادق في كتابه يؤكد أن الجامع الكبير ليس مجرد مسجد للصلاة، بل مؤسسة علمية وثقافية تركت بصمة عميقة في تاريخ المغرب. إذ لعب الجامع دوراً محورياً في تخريج علماء وفقهاء من مختلف التخصصات، مثل الفقه والتفسير وعلوم الفلك والرياضيات، وشكل مدرسة في عهد الدولة السعدية لتكوين كبار أطر الدولة.
كما يناقش الكتاب الجدل التاريخي حول تأسيس الجامع، حيث يدحض الفكرة الشائعة بأن السلطان السعدي محمد الشيخ هو من بناه، موضحاً أن الوثائق التاريخية، مثل “الحوالة الحبُسية”، تشير إلى أن الجامع يعود لعصر الموحدين، وأن السلطان محمد الشيخ قام فقط بتوسيعه وتجديده.
الجامع الكبير بتارودانت يظل رمزاً حياً لتاريخ المدينة، يعكس أصالة المغرب وعمقه الحضاري والديني.