
التأمل في قول الله تعالى في الآية 45 من سورة العنكبوت: “أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر”، يعطينا رؤى عميقة حول أهمية الذكر، وقد تطرق العلماء إلى عدة تفسيرات لهذه الآية، وهي ما يلي:
التفسير الأول: أن ذكر الله أكبر من أي عبادة أخرى. فالعبادات جميعها – من صلاة وصيام وحج وصدقة – تصب في إقامة ذكر الله وتعظيمه في القلب، فالذكر هو روح الطاعات ولبها. عندما ينشغل القلب بذكر الله، يتأصل فيه الإخلاص ويترفع عن شوائب الدنيا.
التفسير الثاني: ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لربه. فعندما يذكر المؤمن ربه، فإن الله يذكره في المقابل، وذكر الله للعبد أشرف وأعظم، كما جاء في الحديث القدسي: “فاذكروني أذكركم”. وهذا يشير إلى تكريم الله لعباده الذاكرين وتقديره لهم.
التفسير الثالث: ذكر الله يُمحِّص النفس ويطهّرها من المعاصي. عندما يكون الذكر حاضرًا في القلب، فإنه يجتث نزعات النفس ويقلعها، فلا يبقى فيها مكان للفحشاء والمنكر. فالذكر يمحو كل خطيئة ويجعل النفس في حال من الطهارة.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في تفسيره لهذه الآية، إن في الصلاة فائدتين عظيمتين:
- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فهي تجعل المؤمن بعيدًا عن المعاصي.
- أنها تتضمن ذكر الله، وهذا الذكر أعظم في أثره من مجرد النهي عن الفحشاء والمنكر؛ فالذكر يُنير القلب ويجعل العبد في حضرة الله، فيجعل عبادته كاملة.
كما جعل الله الذكر خاتمة الأعمال الصالحة، وذلك يتجلى في:
- الصيام: إذ ختم الله حديثه عن الصيام بقوله: “ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم” (البقرة: 185)، ليظل ذكر الله قائمًا في قلوب الصائمين حتى بعد إنتهاء الصوم.
- الحج: إذ قال الله بعد إنتهاء المناسك: “فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا” (البقرة: 200)، ليذكر المؤمن أن الله هو الغاية من كل هذه الشعائر.
- الصلاة: بعد أداء الصلاة، قال الله تعالى: “فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون” (الجمعة: 10)، مما يدل على أن الذكر يبقى ملازمًا للمؤمن في كل أوقاته وأعماله.
فالذكر ليس مجرد حركة لسان، بل هو حياة القلب وطمأنينته، وبه تستقيم جوارح المؤمن وأخلاقه. يقول العلماء: “إن الذكر الذي ينبع من أعماق القلب يكون أثره أعظم من مجرد الترديد باللسان”، لأن الذكر إذا إستقر في القلب، أثر على السلوك وخلق نوعًا من الوعي الداخلي لدى المؤمن يدفعه ليكون بعيدًا عن كل ما يغضب الله.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.



