
المغرب والصين: عندما يلتقي الذكاء الدبلوماسي المغربي بالطموح الجيوستراتيجي الصيني
نجح المغرب في ترسيخ نفسه كفاعل ذكي في النظام الدولي، من خلال سياسة خارجية مرنة، متعددة الأقطاب، وذات نفس طويل. وبينما تنشغل القوى الكبرى في صراع مواقع ونفوذ، ينسج المغرب بخيوط هادئة تحالفًا نوعيًا مع قوة صاعدة مثل الصين، دون أن يفرّط في علاقاته التاريخية مع الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية.
العنوان الأكبر لهذا التوجه ليس فقط تنويع الشركاء، بل هندسة التموقع الاستراتيجي بذكاء. فحين تتقاطع المصالح المغربية مع المشروع الصيني الضخم لـ”طريق الحرير الجديد”، فإن الرباط لا تدخل من باب الاقتصاد فقط، بل من بوابة الجيوسياسة، واضعة نصب أعينها أهدافًا بعيدة المدى، في مقدمتها التحول إلى منصة إفريقية آسيوية، تزاوج بين القارة السمراء والعمق الآسيوي، وتعيد رسم خريطة التحالفات في شمال إفريقيا.
ليس من قبيل الصدفة أن نرى بكين تعوّل على المغرب لتثبيت حضورها في غرب إفريقيا، في وقت تنخرط فيه الرباط في مشاريع ضخمة ممولة أو مدعومة من الصين، تشمل الصناعة، البنية التحتية، وحتى الجانب العسكري والتكنولوجي. وليس اعتباطيًا أن يتزامن هذا مع دعم أمريكي قوي لترشيح المغرب لنيل مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي باسم إفريقيا.
هذا التوازن المذهل بين قطبين متنافرين – واشنطن وبكين – يتطلب دبلوماسية رفيعة المستوى، تتحرك على خيط رفيع من التوازن، دون أن تسقط في الارتهان لأي طرف. وهنا تبرز عبقرية الموقف المغربي، الذي يرفض الاصطفاف الإيديولوجي، ويختار براغماتية واعية تخدم المصالح العليا للمملكة.
الصين ترى في المغرب شريكًا موثوقًا، مستقرًا، ومفتوحًا على القارة الإفريقية بعمق. والمغرب يرى في الصين رافعة تنموية وتكنولوجية قادرة على نقل الشراكة إلى آفاق سيادية، من ضمنها دعم ملفه في الأمم المتحدة، وتعزيز حضوره في المؤسسات الدولية.
قد يُسجل التاريخ أن المغرب نجح، بهدوء استراتيجي، في أن يكون أول دولة إفريقية تجمع بين دعم أمريكي سياسي صريح، ودعم صيني اقتصادي – عسكري عملي، في لحظة عالمية شديدة التعقيد. وقد يُسجَّل أيضًا أن هذا التموقع لم يكن نتاج المصادفة، بل ثمرة رؤية ملكية واضحة المعالم، تقرأ التحولات الدولية بعين ثاقبة، وتراهن على استقلال القرار السيادي، وفعالية المبادرة الذاتية.
في النهاية، المغرب لا يطلب لنفسه مكانًا في العالم الجديد. المغرب يصنعه.



