اقتصاد

بين الشعارات التنموية والواقع الجهوي.. أي موقع للاقتصاد الاجتماعي في مغرب اليوم؟


في الوقت الذي ما تزال فيه اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد تنتظر تفعيل دورها بعد سنوات من الجمود، اختارت الحكومة المغربية، برئاسة السيد عزيز أخنوش، عقد الدورة الخامسة للمناظرة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تحت شعار طموح: “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتنمية المجالية: نحو دينامية جديدة لالتقائية السياسات العمومية”.

من حيث الشكل، يشكل هذا اللقاء مناسبة للتشاور بين الفاعلين العموميين والخواص ومكونات المجتمع المدني، حول سبل تعزيز هذا النمط الاقتصادي الذي يراهن على العدالة الاجتماعية والاندماج المهني للفئات الهشة. لكن من حيث الجوهر، يطرح السؤال التالي نفسه بإلحاح: هل يمكن للاقتصاد التضامني أن يعوّض غياب سياسات فعالة للتشغيل والتنمية الجهوية؟


بين الشعارات والتحديات الواقعية

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس قطاعًا بديلاً للاقتصاد الكلاسيكي، بل هو مكمل يهدف إلى إدماج شريحة معينة من السكان، عادة لا تتجاوز 20% من القوة العاملة، ممن تعذر عليهم الاندماج في القطاعين العام والخاص.

لكن، في المغرب، حيث تجاوزت نسبة البطالة 13.3% وفق آخر الإحصائيات الرسمية (أي ما يعادل حوالي 1.6 مليون عاطل)، وتواجه جهات كاملة خصاصًا مزمنًا في البنيات التحتية والخدمات الأساسية، يصبح من غير الواقعي تحميل الاقتصاد التضامني عبء ما يتطلب إصلاحًا اقتصاديًا وسياسيًا عميقًا.


مركزية القرار… وعوائق الجهوية المتقدمة

منذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، أُعلن عن نية الدولة منح الجهات والجماعات استقلالية حقيقية في اتخاذ القرار وتدبير شؤونها. إلا أن التطبيق العملي كشف استمرار هيمنة المركز على مفاصل القرار المحلي، سواء عبر تعقيد مساطر التمويل والموافقة، أو تقييد سلطات الجماعات بمجالات ضيقة، مثل إصلاح الأرصفة وبناء الساحات العمومية.

في المقابل، تظل المبادرات المحلية رهينة موافقات سلطوية متعددة، فيما يخص أبسط المشاريع التنموية، من بناء مستوصف قروي إلى فتح فرع لجمعية تنموية، وهو ما يفرغ الجهوية من محتواها، ويعطل التنمية المجالية الموعودة.


المناظرات وحدها لا تكفي

لا شك أن اللقاءات الوطنية تشكل لحظات مهمة للتفكير وتبادل الخبرات. غير أن المصداقية تظل رهينة بمدى ترجمة التوصيات إلى إجراءات ملموسة. والمؤسف أن مثل هذه المناظرات غالبًا ما تنتهي إلى “إشعاع إعلامي لحظي”، في غياب رؤية سياسية واضحة لتقوية دور الجهات وتوسيع مجال اختصاصاتها.

إن الاقتصاد التضامني لا يمكن أن ينجح إلا في مناخ من الديمقراطية المحلية، والعدالة المجالية، وحرية المبادرة. ومتى ما ظلت قرارات الجماعات مرتهنة بموافقة سلطات المركز، ومواردها محدودة، فإن أي إصلاح أو نموذج تنموي – كيفما كان – سيظل حبراً على ورق.


المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى مناظرات موسمية، بل إلى نقاش وطني صريح حول مستقبل الجهوية، ودور الجماعات الترابية، وحجم السلطة الفعلية الممنوحة لها. فالرهان الحقيقي لا يكمن في كيفية “تقاسم الفقر”، بل في تحقيق تنمية عادلة تمكّن الجهات من الاستثمار في إمكانياتها، وخلق فرص الشغل، وتحقيق الكرامة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

إلى ذلك الحين، يظل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مجرد حل تقني لمشكل سياسي بامتياز.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button