في خطوة غير مسبوقة ضمن مسار التنمية الحضرية المستدامة بالمغرب، أطلقت مدينة تارودانت مشروعًا شاملاً يهدف إلى إعادة تأهيل المدينة العتيقة وتحديث محيطها الحضري، في إطار رؤية استراتيجية تستند إلى التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى النهوض بالمدن التاريخية المغربية وصون تراثها المعماري والثقافي.
مشروع يمتد لخمس سنوات ويعيد رسم ملامح المدينة
الاتفاقية الجديدة، التي جرى التوقيع عليها يوم 15 أكتوبر 2025، ترسي أسس برنامج تنموي يمتد إلى سنة 2029، باستثمار إجمالي يناهز 3 مليارات درهم.
ويرتكز هذا الورش الكبير على مقاربة متكاملة تجمع بين الحفاظ على الطابع التاريخي الأصيل لمدينة تارودانت، وتطوير بنيتها التحتية والخدماتية بما يواكب متطلبات العصر ويعزز جاذبيتها السياحية والاقتصادية.
صون التراث وتأهيل النسيج الحضري
سيشهد قلب المدينة العتيقة عمليات ترميم واسعة لأسوارها التاريخية وأبوابها العريقة ومبانيها التراثية، بما في ذلك المساجد والزوايا، في إطار خطة تهدف إلى حماية الذاكرة المادية والروحية للمدينة.
كما ستشمل الأشغال تحديث الشبكات الطرقية، تنظيم السير والجولان، إعادة تهيئة الساحات العمومية، وتوسيع المساحات الخضراء، لتصبح المدينة فضاءً حضريًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والجمال العمراني العصري.
خدمات اجتماعية وثقافية في متناول الساكنة
المشروع لا يقتصر على التهيئة المادية فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الخدمات الاجتماعية عبر بناء وتجهيز فضاءات رياضية وثقافية ومراكز صحية وتربوية.
كما سيتم تأهيل المؤسسات التعليمية ودور الشباب لتقريب الخدمات من المواطنين وضمان استفادة متكافئة بين مختلف أحياء المدينة، دون الحاجة إلى التنقل نحو المركز.
دعم الحرف والصناعة التقليدية وتنشيط السياحة
على المستوى الاقتصادي، يشكل هذا البرنامج رافعة قوية لتنشيط السياحة وتثمين الصناعة التقليدية التي تعد من مكونات هوية تارودانت.
وسيتم في هذا الإطار تأهيل الأسواق العتيقة، وإنشاء متاحف ومراكز جذب سياحي جديدة، إلى جانب مسارات للزيارات الثقافية، مما يعزز مكانة المدينة كوجهة مميزة للسياحة الثقافية في الجنوب المغربي.
توزيع مالي متوازن بين داخل الأسوار وخارجها
حرص البرنامج على توزيع التمويل بشكل متوازن بين المناطق الداخلية والخارجية للمدينة، وفق المعطيات التالية:
داخل الأسوار (977.2 مليون درهم):
- البنيات التحتية: 521.18 مليون درهم
- التراث: 269.85 مليون درهم
- الخدمات الاجتماعية: 57 مليون درهم
- الجاذبية الاقتصادية والسياحية: 129.17 مليون درهم
خارج الأسوار (2022.8 مليون درهم):
- التأهيل الحضري: 819.29 مليون درهم
- الخدمات الاجتماعية: 816.5 مليون درهم
- النشاط الاقتصادي: 335 مليون درهم
- الشبكات العمومية: 52 مليون درهم
تحالف مؤسساتي واسع لتنفيذ المشروع
يشرف على تنفيذ هذا الورش الكبير تحالف يضم 14 مؤسسة عمومية، من بينها:
وزارة الداخلية، جماعة تارودانت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وزارة التربية الوطنية، وزارة الصحة، وزارة الصناعة والتجارة، مجلس جهة سوس ماسة، إلى جانب مؤسسات أخرى تشارك في التمويل والتنفيذ.
نحو مدينة متجددة تحفظ الذاكرة وتستشرف المستقبل
ويؤكد مسؤولو جماعة تارودانت أن هذا المشروع يشكل نموذجًا للتنمية المتوازنة، يجمع بين الحفاظ على التراث التاريخي للمدينة وتحسين جودة الحياة الحضرية في محيطها، مما سيجعلها مدينة عصرية بمواصفات مستدامة تحترم ماضيها وتستشرف مستقبلها بثقة وطموح.