الأمازيغوفوبيا في المغرب: جذور تاريخية ومسؤولية وطنية


في زمن تتصاعد فيه الدعوات إلى الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي، يظل الحديث عن الأمازيغية في المغرب محفوفًا بالتوترات والمواقف المتشنجة. ظاهرة “الأمازيغوفوبيا” ليست وليدة اليوم، بل هي حالة متراكمة من الرفض والعداء والتحامل تجاه الأمازيغية وكل ما يرتبط بها من لغة وثقافة وهوية وتاريخ، تتجلى في أشكال متعددة تتراوح بين السخرية والتقليل من القيمة، وصولًا إلى إنكار التاريخ واعتبار المطالبة بالحقوق أمرًا غير مشروع.

فوبيا متجذرة في التاريخ

تعرف “الفوبيا” بأنها نوع من الخوف والتخوف غير المبرر، ومن جهة أخرى نوع من الاحتقار والكراهية والرفض بل والميز اتجاه شيء ما أو شخص أو مجموعة بشرية. وفي سياق البحث عن جذور الأمازيغوفوبيا في تاريخ المغرب المعاصر، تشير الوثائق التاريخية إلى أن جذور هذه الظاهرة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي.

ففي سنة 1930، ومع تأسيس المجموعة السياسية الأولى للحركة الوطنية، تم تقديم وثيقة “المطالب النهائية للأمة المغربية” التي طالبت بمنع استعمال اللغة الأمازيغية في المحاكم والإدارات وعدم كتابتها بالحرف اللاتيني. هذا الموقف التأسيسي رسخ نظرة دونية للأمازيغية استمرت لعقود، وعززتها سياسات التعليم المعرب التي كانت تحتقر كل ما هو أمازيغي.

مظاهر معاصرة للتحامل

تتخذ الأمازيغوفوبيا اليوم أشكالًا متعددة، بعضها علني وبعضها الآخر خفي. يصف الكاتب رشيد الحاحي بعض أعراضها قائلًا: “بمجرد ذكر الأمازيغية تراهم يتبرمون ويمتعضون، وبعضهم يتشنجون ويتهمون ويستثنون ويقسون، وآخرين يسعرون ويقذفون و’يصهينون'”.

وتشمل المظاهر المعاصرة للتحامل ضد الأمازيغية:

· السخرية والاستهزاء: يمكن للمرء في المغرب أن يسخر من الأمازيغيين ويتهمهم بأمور لا تمت للواقع بصلة.
· التهميش المؤسساتي: غياب باحثين مكونين في اللغة الأمازيغية في العمليات الرسمية كالإحصاء السكاني.
· الخطاب السياسي: تصريحات بعض المسؤولين التي تنم عن مواقف سلبية من الأمازيغية، حيث وصفت منظمة “تاماينوت” رئيس الحكومة الأسبق بأنه “القائد الجديد للأمازيغوفوبيا”.
· التمييز في التشريعات: في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، خُصصت للغة العربية فقرة طويلة بينما أُشير إلى الأمازيغية في فقرة قصيرة.

جهود رسمية ومسؤولية وطنية

في مقابل هذه الظاهرة، شهد المغرب تطورات إيجابية في مسار الاعتراف بالأمازيغية. فقد شكل خطاب أجدير التاريخي لسنة 2001 منعطفًا حاسمًا، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس أن “الأمازيغية مكون أساسي للثقافة الوطنية، وتراث ثقافي زاخر، شاهد على حضورها في كل التاريخ المغربي”.

وجاء دستور 2011 ليعزز هذا التوجه بإقرار الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. وهو ما اعتبره الملك تأكيدًا على أن “الأمازيغية هي هوية هذه الأرض، وجذورها التاريخية العميقة، والرصيد الحضاري والثقافي المشترك لجميع المغاربة دون استثناء”.

غير أن الناشطين الأمازيغيين ينتقدون ما وصفوه بـ”تكتيكات الدولة وليس لها استراتيجية للنهوض بالأمازيغية”، محذرين من أن السياسة المتّبعة “ستعيدنا إلى الميز والتصادمات التي كانت سائدة قبل سنة 2001”.

بين الاختلاف المشروع والتحامل المرفوض

من حق الجميع أن يختلفوا في الآراء والتصورات، لكن لا يحق لأحد أن يحول الاختلاف إلى تحامل على الأمازيغية أو إلى محاولة التقليل من مكانتها وتاريخها. فاحترام الأمازيغية ليس انتصارًا لفئة على أخرى، بل هو احترام لهوية المغرب العريقة، واعتراف بجذوره التاريخية وعمقه الحضاري.

كما أكد جلالة الملك محمد السادس، فإن “النهوض بالأمازيغية وحمايتها واحترامها مسؤولية وطنية”، لأن الأمازيغية ليست قضية فئة تبحث عن امتيازات، وليست مشروعًا موجهًا ضد أحد، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية المتعددة والغنية.


المغرب، بتاريخ تنوعه وغنائه، يظل بحاجة إلى تجاوز خطاب التحامل والرهاب، نحو اعتراف فعلي وممارسة يومية تحترم تنوعه اللغوي والثقافي، تعزيزًا للوحدة الوطنية في ظل التعدد، ووفاءً لتاريخ عريق يمتد لآلاف السنين.

Exit mobile version