أخبار عامة

طرفاية.. المحطة الأولى في استكمال السيادة المغربية

طرفاية..

تحليل صحفي

يخلد الشعب المغربي، اليوم الأربعاء 15 أبريل، الذكرى الثامنة والستين لاسترجاع مدينة طرفاية، ذلك الحدث الذي مثل أولى ثمار الكفاح المسلح بعد الاستقلال، والبوابة التي دخل منها المغرب لاستكمال تحرير أقاليمه الجنوبية من قبضة الاستعمار الإسباني.

في مثل هذا اليوم من عام 1958، وبموجب معاهدة “أنغرا دي سينترا” الموقعة في فاتح أبريل من نفس العام، استعاد المغرب سيادته على منطقة “كابو جوبي” (طرفاية)، لتنتهي بذلك حقبة من التقسيم الاستعماري الذي مزق أوصال البلاد لعقود طويلة.

استمرار لنضال التحرير

لم تكن سنة 1956 نهاية المطاف بالنسبة للمغاربة، بل كانت مجرد بداية لفصل جديد من فصول “الجهاد الكبير” لبناء دولة موحدة ذات سيادة كاملة على ترابها. فبينما استعاد المغرب استقلاله عن فرنسا في شماله ووسطه، ظلت مناطق واسعة في الجنوب، بما فيها طرفاية، رهينة الوجود الإسباني الذي رفض الاعتراف بالسيادة المغربية الكاملة.

في هذا السياق، حشد جيش التحرير الوطني قواته في عام 1956 لتحرير الأجزاء الجنوبية، في خطوة تصعيدية سبقت اندلاع حرب إفني (1957-1958). كانت مدينة طرفاية، تلك البوابة الأطلسية الصحراوية، هدفا استراتيجيا في هذه الحرب، حيث دارت معارك ضارية بين المجاهدين المغاربة والقوات الإسبانية المدعومة من الجيش الفرنسي، سقط خلالها آلاف الشهداء قبل أن تكلل المقاومة بالنجاح.

خطاب الحسم في “محاميد الغزلان”

كان الخطاب التاريخي الذي ألقاه المغفور له الملك محمد الخامس بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، وسط زعماء القبائل الصحراوية، هو شرارة الحسم في هذه المعركة. ذلك الخطاب الذي عبر عن العزم الملكي الأكيد على استكمال الوحدة الترابية مهما كلف الأمر، أثلج صدور المغاربة وأربك حسابات الاستعمار، ليُترجم بعد أسابيع قليلة على أرض الواقع باستعادة طرفاية في 15 أبريل.

طرفاية.. محطة أولى نحو الوحدة

استرجاع طرفاية لم يكن مجرد استعادة لشريط حدودي، بل كان النموذج الذي سار عليه المغرب بعد ذلك بعزيمة وإصرار. ففي سنة 1969، استكمل المغرب تحرير مدينة سيدي إفني، لينتقل بعدها إلى المعركة الكبرى لتحرير الصحراء المغربية.

جاءت المسيرة الخضراء المظفرة في 6 نونبر 1975، لتعكس الإرادة الشعبية الجامحة في إكمال المسيرة التي بدأت بطرفاية، حيث توجه مئات الآلاف من المغاربة حاملين المصاحف والأعلام، مجسدين الملحمة الخالدة التي أوصلت المغرب إلى تحرير أقاليمه الجنوبية ورفع العلم الوطني فوق مدينة العيون في 28 فبراير 1976، ثم استكمال تحرير وادي الذهب في 14 غشت 1979.

حاضرة عصرية وتنمية متسارعة

اليوم، وبعد 68 عاما، لم تعد طرفاية مجرد مدينة تاريخية، بل تحولت إلى قطب اقتصادي واعد بفضل التطور الذي تعرفه المنطقة. تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، شهدت المدينة تطورا عمرانيا كبيرا واستقطبت استثمارات كبرى، أبرزها حقل “طرفاية” لطاقة الرياح، الذي يعد الأكبر من نوعه في إفريقيا. كما أنها أصبحت قبلة للسياحة البيئية بفضل قربها من الحديقة الوطنية “الخنيفيس”، إحدى اللوائح التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو.

في هذا اليوم، تستذكر الأجيال الحالية التضحيات الجسام التي قدمها أسلافهم في جيش التحرير والمقاومة، والذين خصصت لهم السلطات العمومية حفلات تكريم وإعانات مالية تخليدا لهذه الذكرى، تأكيدا على أن الوفاء لأبطال الوحدة الترابية هو سمة راسخة في وجدان المملكة.

بهذه المناسبة، يجدد المغرب تأكيده للعالم أن وحدته الترابية خط أحمر، مستمرا تحت القيادة الرشيدة في دفع دينامية التنمية بأقاليمه الجنوبية، رغم كل العراقيل والمناورات التي تهدف إلى النيل من سيادته، متمسكا بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع المفتعل حول صحرائه المغربية.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button