تحقيق أكاديمي في أصول صنهاجة ولمتونةوزناتة ومصمودة: بين الروايات العربية والغربية

يُعدّ موضوع الأنساب من أبرز القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في تاريخ المغرب الكبير، إذ ارتبط بتشكيل الهوية الجماعية للقبائل الكبرى التي لعبت أدوارًا سياسية وحضارية بارزة مثل صنهاجة ولمتونة وزناتة ومصمودة. وقد انقسمت الروايات بين من نسب هذه القبائل إلى أصول عربية حميرية يمنية، ومن رأى أنها بربرية محلية. هذا البحث يسعى إلى عرض أبرز الأدلة التاريخية التي استند إليها المؤرخون العرب والغربيون في إثبات عروبة هذه القبائل، مع تحليل الملاحظات النقدية التي رافقت هذا الجدل.
1- : صنهاجة وأصولها الحميرية
- أجمع عدد كبير من المؤرخين على نسب صنهاجة إلى حمير اليمنية، مثل ابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب، والسمعاني في الأنساب، والسيوطي في لب اللباب، وابن خلكان في وفيات الأعيان.
- هذه الروايات تؤكد أن صنهاجة قبيلة عربية نزحت من اليمن قبل الميلاد، ثم تغيّر لسانها نتيجة مخالطتها للبربر.
- استمرار كبار صنهاجة في التمسك بهذا النسب حتى بعد الإسلام، رغم أن الانتساب إلى بني هاشم كان أكثر وجاهة سياسيًا، يعزز صدقية روايتهم.
2- : لمتونة وإخوتها
- روايات الإدريسي والعلوي وغيرهما تربط لمتونة وصنهاجة وهوارة بآباء حميريين مشتركين.
- أشعار ابن الخطيب وابن الزقاق تؤكد هذا النسب، وتصف ملوك المرابطين بأنهم “أبناء حمير”.
- بعض المؤرخين الغربيين مثل كربخال، رغم عدائه للعرب، أقرّ بأن أول سكان بلاد البربر كانوا قبائل سبئية يمنية (صنهاجة، لمتونة، زناتة، هوارة، غمارة).
3- : زناتة ومصمودة
- نسب بعض المؤرخين زناتة إلى أصول عربية يمنية، بينما رأى آخرون أن لهم جذور مختلطة مع البربر.
- مصمودة أيضًا وردت في بعض المصادر ضمن القبائل التي نزحت مع الملك اليمني إفريقش إلى شمال إفريقيا.
- هذه الروايات تؤكد أن التداخل بين الأنساب كان طبيعيًا نتيجة الهجرات والتحالفات.
4- : الملاحظات النقدية
- المؤرخون الذين نسبوا صنهاجة ولمتونة إلى حمير ينتمون إلى أجيال وقرون مختلفة، مما يستبعد التواطؤ على الكذب.
- لم يخدم معظمهم في البلاط المرابطي، ولا تربطهم قرابة بصنهاجة، مما يعزز حيادهم.
- تنوع مذاهبهم (مالكيون، شافعيون، حنابلة) يثبت أن الاتفاق لم يكن بدافع مذهبي أو سياسي.
- لو أراد المرابطون انتحال نسب، لاختاروا النسب الهاشمي، لكنهم تمسكوا بأصلهم الحميري.
5- : ابن خلدون والجدل حول البربرية
- ابن خلدون نقل أقوال المؤرخين العرب التي تثبت عروبة صنهاجة، لكنه مال إلى التشكيك اعتمادًا على اللغة والعادات.
- لم يقدم دليلًا قاطعًا على بربريتهم، بينما أقرّ أكثر من مرة باعتراف العلماء بنسبهم العربي.
- بعض الباحثين يرون أن موقفه تأثر بخلفيات شخصية وسياسية مرتبطة بأسرته وعلاقتها بآل عباد الذين أسقطهم يوسف بن تاشفين.
6- : المصادر والدراسات
من أبرز المؤرخين والباحثين الذين تناولوا نسب صنهاجة ولمتونة وزناتة ومصمودة:
- العرب والمسلمون: ابن الأثير، السمعاني، السيوطي، ابن خلكان، الإدريسي، ابن كثير، الطبري، الكلبي، ابن حجر، ابن سعيد، ابن عذارى، ابن أبي زرع، ابن الخطيب، أبو بكر بن العربي، الملزوزي، القلقشندي، وغيرهم.
- الغربيون: حسن الوزان (ليو الإفريقي)، كربخال، إضافة إلى روايات جغرافية أوروبية عن الملك إفريقش ونزوحه بقبائل يمنية إلى شمال إفريقيا.
- المعاصرون: الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، عمر رضا كحالة، وغيرهم ممن أعادوا قراءة هذه الروايات في ضوء الدراسات الحديثة.
يتضح من خلال هذا التحقيق أن الروايات العربية والغربية تكاد تُجمع على عروبة صنهاجة ولمتونة وزناتة ومصمودة، وربطها بالهجرات اليمنية القديمة. ورغم تشكيك ابن خلدون، فإن غياب الأدلة القاطعة على بربريتهم، مقابل كثرة الشهادات المؤيدة لعروبتهم، يجعل من الأرجح أن هذه القبائل خرجت من المشكاة الحميرية السبئية، وأسهمت في بناء حضارة المغرب الكبير على أسس عربية إسلامية راسخة.



