تمر مدينة آسفي في هذه الأيام بلحظات حزن عميق، حيث تنعي ضحايا الفيضانات التي ألمّت بها. نتقدم بخالص تعازينا وصمودنا لأهلها ولجميع أبناء المغرب، سائلين المولى عز وجل أن يرحم الشهداء ويُلهم أهليهم وعائلاتهم الصبر والسلوان.
إن هذه الأحداث المؤسفة تضعنا أمام مراجعة جادة لمنظومة التخطيط العمراني وإدارة المخاطر الطبيعية في عدد من مدننا. فمدينة آسفي، التي يعود أصل تسميتها إلى الكلمة الأمازيغية “آسيف” (مصب الوادي)، بنيت تاريخياً حول مجرى مائي. وهذا يفرض اعتماد تدابير استباقية مستدامة، مثل بناء سدود صغيرة أو منشآت تحكم، لحمايتها من الفيضانات الاستثنائية التي تتكرر كل عدة عقود، على غرار ما تم حول ميناء طنجة مثلاً.
كما تبرز هذه المحنة فرصة لإعادة إحياء المدينة القديمة في آسفي، وهي منطقة ذات قيمة تاريخية ولكنها تعاني من الإهمال منذ سنوات. إن الاهتمام بها يمكن أن يكون جزءاً من حل تنموي متكامل.
وليس آسفي وحدها في هذا التحدي. فمدينة كأكادير، وهي قطب سياحي كبير، بنيت أيضاً على وادٍ تمت تغطيته، مما يطرح مخاطر مماثلة في حال حدوث فيضانات استثنائية.
يبدو أن هناك فراغاً كبيراً في التخطيط العمراني بالمغرب، حيث تنمو بعض المدن بطريقة عشوائية أشبه “بالفطريات”، دون مراعاة كافية للمعايير الجمالية أو الهندسية أو – وهذا هو الأهم – تقييم المخاطر الطبيعية. لقد شهدنا مؤخراً أحداثاً مشابهة في فاس، مما يؤكد الحاجة الملحة لاستراتيجية وطنية شاملة.
إن آسفي تمتلك إمكانات سياحية وثقافية هائلة، ولكن تفعيلها يحتاج إلى استثمار في البنية التحتية وحماية المدينة من المخاطر. اليوم، وقفة التضامن مع أبناء آسفي واجب وطني. كما أن الخروج بحلول جذرية وعملية هو واجب على جميع المعنيين بالتخطيط والإدارة، لضمان ألا تتكرر مثل هذه المآسي، ولتحويل التحديات إلى فرص حقيقية لتجديد وتأهيل مدننا، بحيث تكون آمنة ومستدامة وجميلة لأجيالنا القادمة.