أسطورة الأمير عبد القادر: حين يُستعمل التاريخ كغطاء للهزيمة

في الجزائر، لا يُسمح للتاريخ أن يكون علمًا، بل يُفرض عليه أن يكون أداة طاعة. وأوضح مثال على ذلك هو أسطورة الأمير عبد القادر، التي جرى تسويقها كـ“ملحمة مقاومة”، بينما الوقائع الموثقة تكشف مسارًا مختلفًا تمامًا: مسار التفاوض، ثم الاستسلام، ثم التعايش مع المستعمر.
لنضع العاطفة جانبًا.
الأمير عبد القادر لم يهزم فرنسا، ولم يطردها، ولم يستشهد في الميدان. بل على العكس، دخل معها في معاهدة التافنة (1837)، التي منحت فرنسا شرعية الوجود ووقتًا ثمينًا لإعادة الانتشار العسكري. هذه ليست قراءة مغربية ولا مؤامرة، بل وثائق فرنسية وجزائرية معترف بها.
ثم جاءت النهاية المنطقية: استسلام 1847.
استسلام غير مشروط، أنهى أي مقاومة منظمة باسمه، وفتح الباب واسعًا أمام استعمار استيطاني دام أكثر من قرن. وبعدها؟ إقامة مريحة، علاقات ودّية، تكريم رسمي من نفس القوة التي دمّرت البلاد. هذه ليست بطولة، هذا انكسار مُغلَّف بخطاب أخلاقي.
فأي مقاومة هذه التي تنتهي بالأوسمة الفرنسية؟
وأي بطل ذاك الذي يغادر أرضه تاركًا شعبه تحت نير استعمار دام أكثر من 130 سنة؟
الواقع أن النظام الجزائري، منذ الاستقلال المزعوم ، كان في حاجة ماسة إلى رمز تاريخي جاهز، قابل للتقديس، منزوع التعقيد، لا يطرح أسئلة محرجة. فتم تضخيم الأمير عبد القادر، وتلميعه، ومسح كل ما لا يخدم الرواية الرسمية، مقابل طمس مقاومين آخرين قاتلوا حتى الموت، ورفضوا أي تفاوض أو مساومة مع المحتل.
التاريخ لا يُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
والنتيجة واضحة: فرنسا خرجت أقوى، والجزائر غرقت أعمق في الاستعمار.
تحويل شخصيات تاريخية إلى “قديسين” خيانة للوعي الجماعي، والكذب على الأجيال أخطر من الاستعمار نفسه. من حق الشعوب أن تعرف الحقيقة كاملة، لا نسخة مُفلترة تُستعمل عند الحاجة في معارك إعلامية وسياسية.
السؤال الحقيقي ليس:
“هل قاوم الأمير عبد القادر في البداية؟”
بل: لماذا فُرض علينا اعتباره الرمز الأوحد؟ ولماذا مُنِع نقده؟
الجواب بسيط ومزعج:
لأن الأنظمة الفاشلة تحتاج إلى أبطال بلا أسئلة. تحتاج إلى تاريخ مُعلَّب، خالٍ من التعقيد، قابل للاستهلاك في الخطب، وقابل للاستدعاء كلما احتاجت إلى تغطية إخفاق سياسي أو عداء خارجي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالمغرب.
وهنا تنكشف اللعبة كاملة:
نظام لم ينتصر عسكريًا، ولم يبنِ دولة قوية، ولم ينجح اقتصاديًا، لا يملك سوى الماضي المُفبرك ليبرر الحاضر المتعثر. فيُقدَّس الأمير، وتُشيطن كل قراءة نقدية، ويُخوَّن كل من يفتح الأرشيف.
المفارقة القاتلة؟
أن نفس الخطاب الذي يطالب الآخرين “باحترام التاريخ”، يرفض مواجهة تاريخه الحقيقي، ويصرّ على بيع الوهم للأجيال: وهم البطولة، وهم المقاومة، وهم التفوق الأخلاقي.
التاريخ لا يُدار بالعصا، ولا يُكتب بوزارة، ولا يُفرض بالصراخ.
والحقيقة، مهما طال حبسها، تخرج دائمًا.
الأمير عبد القادر شخصية تاريخية، نعم.
لكن تحويله إلى قديس سياسي جريمة في حق الوعي.
واستعماله اليوم كسلاح أيديولوجي ضد المغرب ليس سوى دليل إضافي على فقر الرواية الرسمية.
من لا يملك حاضرًا، يزوّر الماضي.
ومن يخاف الحقيقة، يقدّس الأسطورة.



