أخبار عامة

إضراب المحامين بالعيون: العدالة أمام اختبار دستوري ومأزق تشريعي

بقلم: سيداتي بيداشهدت منظومة العدالة بمدينة العيون، يومي 8 و9 يناير 2026، شللًا مؤسساتيًا ملحوظًا على خلفية الإضراب الشامل الذي خاضه المحامون أمام مختلف محاكم المدينة، الابتدائية منها والاستئنافية. وقد أعاد هذا الاحتجاج القوي إلى الواجهة نقاشًا عميقًا حول منهجية التشريع، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهن القضائية، ومدى احترام مبدأ التشاركية الذي نص عليه الدستور المغربي.غياب هيئة الدفاع عن قاعات الجلسات أدى إلى تأجيل عشرات القضايا، مخلفًا تذمرًا واسعًا في صفوف المتقاضين، وتساؤلات مشروعة حول الكلفة الحقوقية والمؤسساتية لتعطيل السير العادي للمرفق القضائي. غير أن الهيئات المهنية للمحامين تؤكد أن الإضراب لم يكن خطوة ارتجالية، بل فعلًا احتجاجيًا محسوبًا، فرضته بحسب تعبيرهامقاربة تشريعية أحادية لا تنسجم مع روح الدستور ولا مع أعراف التدبير الديمقراطي التشاركي.ولم يقتصر الاحتجاج على الامتناع عن الترافع، بل تجاوزه إلى تعليق النقباء لمهامهم الرسمية، في رسالة رمزية قوية تؤكد أن مهنة المحاماة ليست وظيفة تقنية خاضعة لمنطق التعليمات، بل فاعل دستوري مستقل وشريك أساسي في إقامة العدالة، لا يمكن إدماجه في مسار تشريعي بمنطق الإخطار أو الأمر الواقع.وتشير مصادر مهنية إلى أن إدراج مشروع قانون مهنة المحاماة ضمن جدول أعمال المجلس الحكومي دون استكمال مسار التوافق مع الهيئات الممثلة للمحامين، يطرح إشكالًا منهجيًا قبل الخوض في مضمون النص ذاته. فالمحاماة، باعتبارها ضمانة جوهرية لحقوق الدفاع وركنًا أساسيًا من أركان المحاكمة العادلة، لا تُدار بمنطق الأغلبية العددية، بل بمنطق التوازن المؤسساتي والحوار المسؤول.كما يثير المشروع، وفق ذات المصادر، مخاوف حقيقية تتعلق باستقلالية المحامي، وحدود الرقابة على المهنة، وآليات التأطير الذاتي، وهي قضايا شكلت دائمًا خطوطًا حمراء في الوعي المهني، لما لها من ارتباط مباشر بثقة المواطن في العدالة وجودة أحكامها.وفي المقابل، تجد السلطة القضائية نفسها أمام معادلة دقيقة، تجمع بين واجب ضمان استمرارية مرفق العدالة، واحترام الحق المشروع للمهنيين في الاحتجاج. فتعطيل البت في القضايا لا يمس فقط النجاعة القضائية، بل يطرح إشكالية الحق في التقاضي داخل أجل معقول.غير أن جوهر هذا الإضراب يتجاوز آثاره الآنية، ليطرح سؤالًا أعمق حول فلسفة التشريع في المغرب. فالدستور جعل من الديمقراطية التشاركية خيارًا مؤسسًا، وأقام علاقة شراكة، لا تبعية، بين الدولة والفاعلين المهنيين في مجال العدالة.ولا يخلو اختيار مدينة العيون مسرحًا لهذا الاحتجاج.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button