الدبلوماسية المغربية في قلب أوروبا: سفير السلطان المغربي يقدم أوراق اعتماده لقيصر النمسا سنة 1783



في واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية التي تعكس عمق الحضور المغربي في العلاقات الدولية خلال العصر الحديث، شهدت العاصمة النمساوية فيينا، يوم 28 فبراير 1783، حدثاً سياسياً لافتاً تمثل في تقديم السفير المغربي محمد بن عبد الله أوراق اعتماده إلى الإمبراطور جوزيف الثاني، حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإمبراطور النمسا آنذاك.
وقد حُفِظ هذا الحدث التاريخي في الذاكرة الأوروبية بفضل توثيقه الفني من طرف الرسام النمساوي يوهان مارتن ويل (Johann Martin Will)، الذي أنجز لوحة تجسد مراسم الاستقبال الرسمي للسفير المغربي داخل البلاط الإمبراطوري، في مشهد يعكس مكانة المغرب الدبلوماسية واحترام القوى الأوروبية له في تلك المرحلة.
المغرب… دولة ذات سيادة وحضور دولي مبكر
تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية في سياق تاريخي تميز بقوة الدولة المغربية خلال العهد العلوي، خاصة في ظل حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757–1790)، الذي يُعد أحد رواد الدبلوماسية المغربية الحديثة. فقد انتهج السلطان سياسة خارجية قائمة على الانفتاح، وتنويع الشراكات، وتكريس السيادة الوطنية، عبر إبرام معاهدات تجارية وسياسية مع قوى أوروبية كبرى، من بينها النمسا، إسبانيا، فرنسا، وبريطانيا.
ولم يكن إرسال السفراء إلى العواصم الأوروبية مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان تعبيراً عن وعي الدولة المغربية بأهمية التمثيل الدبلوماسي الدائم، والدفاع عن مصالحها التجارية والبحرية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي عرفها البحر الأبيض المتوسط خلال القرن الثامن عشر.
فيينا… اعتراف أوروبي بمكانة المغرب
يشكل استقبال السفير المغربي من طرف الإمبراطور جوزيف الثاني دلالة قوية على الاعتراف المتبادل بين دولتين ذواتي سيادة، ويعكس نظرة أوروبا إلى المغرب كقوة إقليمية مستقرة وفاعلة في محيطها، وليست مجرد كيان هامشي كما تحاول بعض القراءات الاستعمارية اللاحقة تصويره.
كما أن توثيق الحدث بريشة فنان نمساوي رسمي يؤكد الأهمية الرمزية والسياسية التي أُوليَت لهذه الزيارة، ويجعل منها وثيقة بصرية نادرة تشهد على قدم العلاقات المغربية الأوروبية.
إرث دبلوماسي ممتد
إن هذا الحدث التاريخي يندرج ضمن مسار طويل من الدبلوماسية المغربية التي تعود جذورها إلى قرون خلت، حيث كان المغرب من أوائل الدول التي أقامت علاقات رسمية ومنظمة مع القوى الدولية، مع الحفاظ على استقلال قراره السياسي ووحدة ترابه.
واليوم، وبعد أكثر من قرنين على ذلك اللقاء في فيينا، يواصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تعزيز حضوره الدبلوماسي في أوروبا والعالم، مستنداً إلى إرث تاريخي عريق يؤكد أن الدبلوماسية المغربية لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم حضاري وسياسي ممتد عبر الزمن.

Exit mobile version