حين تتحول كرة القدم إلى ميدان للحسابات السياسية: اللوبي الجزائري في الكاف تحت المجهر

مقدمة: ما وراء الفوضى
ما شهدناه قبل وأثناء المباراة لم يعد يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع، يتجاوز حدود الملعب ليصل إلى أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف). فالأحداث المتتالية، والمواقف المتناقضة، والقرارات المثيرة للجدل، تشير جميعها إلى أن هناك لعبة أخرى تُلعب بعيداً عن الكرة، لعبة أطرافها معروفون، وأهدافها واضحة، وأدواتها متعددة.
اللوبي الجزائري: تاريخ من النفوذ والتحكم
شبكة العلاقات داخل الكاف
ليس سراً أن الجزائر، عبر تحالفاتها الإستراتيجية داخل القارة الإفريقية، نجحت في بناء شبكة نفوذ قوية داخل الكاف. هذه الشبكة لا تقتصر على أعضاء جزائريين فقط، بل تمتد إلى حلفاء إقليميين يشاركونها نفس الأجندة، ويتقاطعون معها في العداء للمشروع المغربي الصاعد في القارة.
من بين هؤلاء الحلفاء، برز اسم رئيس الاتحاد السنغالي أوغستان سانغور، الذي تربطه علاقات وثيقة بهذا اللوبي، ويُنظر إليه باعتباره أحد المعادين لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، وذلك لأسباب لا تخفى على المتابعين:
سنة 2021: لقجع لعب دوراً محورياً في إفشال محاولة سانغور الوصول إلى رئاسة الكاف.
سنة 2025: نجح لقجع في إسقاط سانغور من عضوية الفيفا، في خطوة عُدّت انتقاماً سياسياً بامتياز.
هذا التاريخ من الصراع يُلقي بظلاله الثقيلة على ما حدث، ويجعل من الصعب فصل الحدث الرياضي عن السياق السياسي والمؤسساتي.
أدوات النفوذ: من القرارات التحكيمية إلى الإعلام الموجّه
اللوبي الجزائري داخل الكاف لا يعمل بشكل مباشر دائماً، بل عبر آليات متعددة:
التأثير على القرارات التحكيمية: عبر الضغط على اللجان المختصة أو تعيين حكام بعينهم في مباريات حساسة.
استخدام الإعلام الموالي: لتشويه صورة الخصوم، ونشر الشائعات، وخلق مناخ عدائي قبل المباريات.
تفعيل الحلفاء الإقليميين: الذين يتحركون وفق أجندة مشتركة لعرقلة أي تقدم مغربي في القارة.
استغلال المنابر الرسمية: مثل الندوات الصحفية والبيانات الرسمية لبث رسائل سياسية مغلّفة بغطاء رياضي.
السيناريو المدبّر: قراءة في الأحداث
مكالمة هاتفية حاسمة
من بين أكثر المعطيات إثارة للقلق، ما تردد بقوة حول تلقي نور الدين بوشارب، مساعد المدرب السنغالي ذي الجنسية الجزائرية، مكالمة هاتفية مباشرة بعد الإعلان عن الرجوع إلى تقنية الفار. وبعد هذه المكالمة، اتُخذ قرار مغادرة الملعب.
هذه المعطاة، تأكد أن القرار لم يكن رياضياً بحتاً، بل جاء بناءً على تعليمات خارجية، وهو ما يطرح أسئلة خطيرة:
من الذي اتصل؟
ما هي الجهة التي أعطت الأوامر؟
هل كان هناك تنسيق مسبق بين الطاقم الفني والاتحاد السنغالي واللوبي الجزائري؟
خطاب مزدوج يكشف الأجندة
ما يعزز هذه القراءة هو التناقض الصارخ في مواقف المدرب السنغالي آليو سيسي (المعروف بـ”الهركاوي”):
قبل المباراة: شنّ هجوماً لاذعاً على تنظيم المغرب في الندوة الصحفية، محاولاً التشكيك في جاهزية البلد المُضيف.
بالمقابل: أشاد بشكل لافت بتنظيم الجزائر لبطولة الشان، في إشارة واضحة إلى انحيازه.
هذا الخطاب المزدوج لا يمكن أن يكون عفوياً، بل يعكس توجيهاً سياسياً واضحاً، وتنسيقاً مع أطراف ذات مصلحة في إفشال التنظيم المغربي.
دور رئيس الاتحاد السنغالي سانغور
أوغستين سانغور ليس مجرد إداري رياضي، بل هو لاعب سياسي داخل الكاف، له حساباته وتحالفاته. عداؤه لفوزي لقجع معروف، وارتباطه باللوبي الجزائري مُثبت عبر مواقفه المتكررة.
وبحكم موقعه كرئيس فعلي للاتحاد السنغالي، فإن أي قرار يتخذه الطاقم الفني لا يمكن أن يمر دون علمه أو موافقته الضمنية، خصوصاً في مباراة بهذه الحساسية.
الخلاصة: سيناريو محبوك بعناية
ما حدث لم يكن ارتجالاً ولا انفعالاً لحظياً، بل كان فعلاً مدروساً ومنسقاً، شاركت فيه أطراف متعددة:
الطاقم الفني السنغالي: وعلى رأسه المساعد الجزائري نور الدين بوشارب، الذي يُشتبه بتلقيه تعليمات مباشرة.
رئيس الاتحاد السنغالي سانغور: الذي تربطه علاقات وثيقة باللوبي الجزائري، ويكنّ عداءً واضحاً للقجع.
اللوبي الجزائري داخل الكاف: الذي يسعى بكل الوسائل لعرقلة أي نجاح مغربي، ويستخدم حلفاءه لتنفيذ أجندته.
دعوة للتحرك
تفعيل القانون 35 من لوائح الفيفا
هذا القانون واضح: أي طرف يرفض اللعب أو يتسبب في إيقاف المباراة دون مبرر قانوني، يُعاقب بالخسارة.
تطبيق هذا القانون ليس انتقاماً، بل حماية لنزاهة اللعبة، وردعاً لمن يحاول استغلال الملعب لتصفية حسابات سياسية.
فتح تحقيق شفاف
يجب على الفيفا والكاف فتح تحقيق مستقل وشفاف في الأحداث، والكشف عن:
هوية المتصل بالمساعد الجزائري
مضمون التعليمات
دور الاتحاد السنغالي في التنسيق
علاقة ما حدث باللوبي الجزائري
حماية كرة القدم من السياسة
كرة القدم الإفريقية تستحق أن تكون ميداناً للمنافسة النزيهة، لا ساحة لتصفية الحسابات السياسية. اللوبيات والتحالفات الخفية يجب أن تُكشف وتُحاسب، وإلا فإن مصداقية الكاف نفسها ستكون على المحك.
خاتمة
ما جرى ليس مجرد فوضى رياضية، بل فضيحة سياسية بامتياز، تكشف عمق التدخلات الخارجية في الشأن الكروي الإفريقي.
اللوبي الجزائري داخل الكاف لم يعد خفياً، بل أصبح واضحاً للعيان، وأدواته معروفة، وحلفاؤه مكشوفون.
والسؤال الآن:
هل ستتحرك المؤسسات الدولية لحماية اللعبة، أم ستستمر الفوضى باسم “الحسابات السياسية”؟
كرة القدم الإفريقية تستحق الشفافية… لا اللوبيات الخفية.



