بقلم: حسن كرياط
ليس وداع الأعوام واستقبالها انتقالًا عدديًا في تقويمٍ زمنيّ، ولا حركةً آليةً بين خانتين من الزمن، بل هو في عمقه لحظة كشفٍ يتعرّى فيها الإنسان أمام ذاته، ويقف الوجود عند حدّ التجلّي. فالزمن، في ذوق أهل المعرفة، ليس خطًّا يُقطع ولا وعاءً يُملأ، بل هو صورة من صور الظهور، يتلوّن بالأحوال، ويتشكّل بحسب صفاء القلوب أو كدورتها.
من هذا الأفق، لا يغدو العام المنصرم شيئًا انقضى، بل مقامًا أُقيم فيه، وتجربةً تحوّلت من حدثٍ عابر إلى معنى مقيم. ما مضى لم يذهب، بل احتجب في الوعي، واستقرّ في الذاكرة بوصفه أثرًا لا يُمحى. لقد كان العام مرآةً تجلّت فيها وجوه الوجود المتعدّدة: قبضٌ وبسط، فرحٌ وحزن، حضورٌ وغياب؛ وكلّها ليست تضادّات متنافرة، بل تجلّيات متكاملة لاسمٍ واحد يتكرّر في صور شتّى.
ويعلّمنا هذا العبور أنّ الزمن لا يُعاش خارجنا، بل يمرّ فينا، ينحت وعينا، ويعيد تشكيل ذواتنا في صمت. فما نراه سقوطًا قد يكون فناءً عن وهم، وما نحسبه فقدًا قد يكون فتحًا لباب أعمق في الفهم. فالسير لا يعرف الفراغ: لا مقام يُغادر إلا إلى مقامٍ أوسع، ولا حال يفنى إلا ليُبقي القلب على صورة أصدق من نفسه.
وحين يُقبل عام جديد، فإنّه لا يأتي بوصفه مستقبلًا خالصًا، بل باعتباره قابلية جديدة للتجلّي. إنّه صفحة بيضاء، لا لأنّها خالية، بل لأنّ معناها لم يُكشف بعد. يأتي العام لا حاملًا وعدًا ولا وعيدًا، بل حاملًا مفتاحًا رمزيًا، يفتح في الإنسان غرفة لم تطأها قدم الوعي من قبل؛ غرفة الاسم الذي لم يُنطق، والمعنى الذي لم يُختبر.
وفي هذا المقام، لا يكون الإنسان متفرّجًا على الزمن، بل شريكًا في حضوره. فنحن لا نكتب الأعوام بقدر ما تكتبنا، ولا نصنع الأيام بقدر ما تصوغنا تجاربها. والسؤال الذي يطرحه كل عام جديد ليس: ماذا سيقع؟ بل: بأي وعي سنحضر؟ وبأي قلب سنستقبل ما يتجلّى؟
هكذا ترى الحكمة الصوفية الزمن أمانة لا مُلكًا، وعبورًا لا إقامة. نحن مستأجرو اللحظة، لا مالكوها، وجمال السكن في المستعار أن نحسن الإقامة فيه: أن نزرع معنى، ونخلّف أثرًا، ولو لم نكن شهود حصاده. فالزمن لا يُقاس بطوله، بل بعمقه، ولا يُحفظ بالأرقام، بل بالحضور.
ومن هنا، لا يكون وداع عام واستقبال آخر فعل حنينٍ أو خوف، بل فعل وعي وانتقال في الرؤية. سلامٌ لما أفنانا عن أوهامنا وأبقانا بالمعنى، وسلامٌ لما لم يأتِ بعد، ننتظره لا باليقين، بل بالاستعداد.
بهذا المعنى، لا يُكتب هذا التأمّل بوصفه تسجيلًا لحدثٍ زمنيّ، بل بوصفه ممارسة فكرية–عرفانية تعيد وصل الإنسان بالزمن، باعتباره تجلّيًا لا صراعًا، وعبورًا لا امتلاكًا. فالعارف لا يودّع الأعوام ولا يستقبلها، لأنّه يقيم في اللحظة التي يظهر فيها المعنى؛ حيث يكون الزمان، ويكون الإنسان، ويكون السؤال واحدًا.