لن نجادل حول الجدوى الاقتصادية لتنظيم كأس أمم إفريقيا فقد سال فيها الكثير من المداد، كما لن نُناقش تفاصيل المقابلة النهائية فقد حللها الدارسون كما الهاوون. تعالوا بنا نتعلم دروسا أخرى من “حُسن ضيافتنا” لـ 23 فريقا وبلدا من القارة السمراء!!
أولا، لنُلق نظرة على عورة انكشف ساطعة ألا وهي الإعلام. ورغم أن الدورة كانت الأنجح والأفخم والأكثر كلفة على الأرض، فإن إعلامنا قليل المهنية والكفاءة (في غالبيته) انجر لطعم التفاهة ونقاش وتحليل سفاسف الأمور. منابر ابتلعت الطعم، ووقعت في شراك المُبتزين والمُستفِزّين!!!
مؤثرون، بمئات آلاف بل ملايين المتابعين، هم في الحقيقة قادة يصنعون رأيا عاما ويوجهونه، وقعوا عدة مرات في فخ “رد الفعل”. وبدل التركيز الإيجابي على الهدف: إنجاح الدورة وإحراز الكأس، انجروا كل مرة للرد على تصرف لمدرب مصري هنا، أو التعليق على تبـ.ـول مشجع جزائري هناك. والنتيجة، وكما يقولون، بنادم “لقا لينا الدبرة” و “عرف كيف ومتى يضغط عليها”.
نجح المُبتزون إذن وإلى أبعد الحدود في تشتيت انتباه الجمهور وجره لمستنقعات صراعات تافهة، غطت على عمل شاق في ميدان الكرة امتد لقرابة عقدين من الزمن.
وللغرابة، فقد تمت “صناعة” ضغط وهمي إن صح التعبير انعكس أولا على تعامل الجمهور مع باقي الفرق بتشجيع بعضها ضد بعض، وصولا للاعبي وأطر المنتخب ثانيا، بل وللمنظمين الذين انطلت عليهم أكذوبة وتهمة “الكولسة”، فحاولوا جاهدين ردها بأي ثمن.
الدرس الثاني يتعلق بكرم وضيافة المغاربة شعبا وحكومة “المبالغ فيهما”. كرم تجاوز الحد الطبيعي ليظهر وكأنه مصطنع، أو وكأن جهة ما تدفعنا نحو إبراز الكثير من الكرم “بحال إلى كايسالوه لينا”!!!
هنا وجب فتح قوس مهم، يتعلق بثقافة إكرام البراني ولو على حساب راحة وإمكانيات المُضيف. كرم، ورغم تحملنا مصاريفه 50 مليار درهم من عرق جبيننا، انمحى كأن لم يكن مع كل تصريح غبي لمدرب في مؤتمر صحفي أو فعل خادش للاعب على أرضية الملعب. الخلاصة: لا تاعنا بقى، لا وجهنا تنقى!!!!
الدرس رقم 3 حصيلة وجامع لما سبق:
أ- لا يمكن أن تكون لنا “قوة ناعمة” ما لم نمتلك قوة صلبة كأساس ومنطلق. كما لا يمكن المراهنة على الصورة (الانطباع) والاعتقاد أنها كفيلة بتحسين الحال والمآل (الواقع المُعاش)، دون الاهتمام بالجوهر، ولب الموضوع هنا واضح لا لُبس فيه: المواطن!!!
المواطن، الجبهة الداخلية، دعامة لن نجد غيرها في أي أزمة تواجهنا أو أي تحد يقابل سعينا. وقد أثبتت التجارب الدولية، وخصوصا في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، أن العالم لا يحترم سوى القوي؛ كون سْبع وكولني!!!!
ب- حتى لو صرفت مال الدنيا على أرض الوقع، لا بد ولا مناص لك من آلة إعلامية كفأة، قوية ومبادِرة. آلة تواصل أظهر لنا الكان زيف قوتها وضعف بنيانها؛ إعلام التجييش والتنكاف والتشهير سهل الاختراق والاستفزاز والانجرار لما يُراد له. إعلام انفعالي، يبني مواقفه على أفعال الآخرين، دون هدف ولا رؤية.
منح الفرصة للكفاءة لا الولاء، للاستحقاق لا التبلحيس، استحال ضرورة في الإعلام كما في غيره من مجلات الحياة، لمواجهة
تحديات عالم جديد لا يؤمن سوى بالقوي على كافة الأصعدة.
وإلى كان داك الهبال والتجييش خدام لإلهاء جبهة الداخل، فإن الخارج أظهر هشاشة “الوتنيِّين” واندحارهم أمام أول اختبار.
نرجو أن تصل الرسالة وأن تُفهم الدروس.ولقصتنا دائما بقية في عرضنا الجديد اللذيذ ؛ لأن المعـ.ـركة الحقيقية معـ.ـركة وعي.
أيوب الرضواني
أيوب الرضواني Ayoub Radouani