أخبار عامة

من تارودانت إلى وزارة الفلاحة: الحاتيمي يخلف البواري وسط تحديات الماء والمناخ وقدرة الشراء

أكادير — بعد نحو عشرين سنة من تدبير حزب التجمع الوطني للأحرار لقطاع الفلاحة، خرجت الوزارة من قبضة “الأحرار” لأول مرة. عيّن الملك محمد السادس خالد الحاتيمي، المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وزيراً للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، خلفاً لأحمد البواري. رجل الأعمال والسياسي القادم من تارودانت يقف اليوم على رأس أحد أكثر القطاعات حساسية في المعادلة الاقتصادية والاجتماعية المغربية.

مسار بين المقاولة والسياسة

يحمل الحاتيمي، المزداد في إقليم تارودانت حيث تابع دراسته الابتدائية والثانوية، شهادة من مدرسة عليا للتجارة بالولايات المتحدة الأمريكية في تخصص إدارة الأعمال، بعد مسار دراسي تنقّل بين أمريكا وأوروبا. راكم تجربة تتجاوز ثلاثين سنة في تدبير المقاولات، منها أكثر من عشر سنوات كرئيس مدير عام لشركات وطنية ودولية، واشتغل في قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والفلاحة، إذ قاد شركة “أطلس بوتلينغ” التابعة لمجموعة ديانا هولدينغ في طنجة ووجدة، ما منحه اطلاعاً مباشراً على منطق سلاسل الإنتاج والتوضيب واللوجستيك.

سياسياً، انتخب نائباً برلمانياً عن دائرة تارودانت الجنوبية سنة 2021، وعضواً بلجنة المالية بمجلس النواب، قبل أن يصبح عضواً بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة في ماي 2024. وقبل تعيينه وزيراً، كان قد استقال من مقعده البرلماني بعدما رُشّح لعضوية الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء.

ملف ثقيل ينتظر الوزير الجديد

غير أن حماس المتابعين لمسار “ابن تارودانت” يصطدم بجردة تحديات لا ترحم، بعضها موثق في نقاشات البرلمان نفسه حول ميزانية القطاع.

الماء والمناخ.

يواجه المغرب جفافاً بنيوياً وتراجعاً في الاحتياطات المائية وعدم انتظام التساقطات، ما يضغط مباشرة على كلفة الإنتاج وعلى العرض في الأسواق. على الحاتيمي أن يدبّر استمرارية الفلاحة المسقية وتحولها في إطار موارد مائية تتراجع سنة بعد أخرى.

الفلاحون الصغار والمتوسطون.

الضيعات التي تقل مساحتها عن خمسة هكتارات تشكّل نحو 70% من مجموع الضيعات الوطنية، بينما تراجع عدد المستفيدين من الفلاحة التضامنية في ميزانية 2026 من 66 ألفاً إلى 36 ألفاً. هشاشة الفلاح الصغير أمام الجفاف وارتفاع الكلفة وصعوبة الولوج إلى السوق لم تحلها بعد استراتيجية “الجيل الأخضر”. خبرة الحاتيمي في دائرة تارودانت الجنوبية قد تجعله قريباً من هذا الواقع، لكن الفارق بين “معرفة” المشكل و”حلّه” تحكمه الميزانية والإدارة والحسابات السياسية.

القطيع والأرقام المتناقضة.

سجّل البرلمان ملاحظة حادة: إحصائيات الوزارة حول القطيع الوطني تذبذبت خلال ستة أشهر بين 18 مليون رأس و33 مليون رأس، وهو “ارتفاع غير قابل للتفسير” أثار شكوك النواب في موثوقية الأرقام. وفي الوقت ذاته، تتكرر شكايات مربي الماشية من تأخر صرف دعم الأعلاف ومن ممارسات احتكارية في السوق. وزارة تحمل اسم “السيادة الغذائية” لا يمكنها أن تبني سياساتها على أرقام مهزوزة.

القدرة الشرائية واستقرار السوق.

الفلاحة أول مشغّل في المغرب، لكن النقاش البرلماني اعترف بفقدان نحو 26.6 ألف منصب في القطاع في السنوات الأخيرة، وبأن الفقر القروي يمثل نحو سبعين في المائة من فقر البلاد. التوفيق بين استقرار الأسعار وضمان التموين وتحسين دخل الفلاح معادلة صعبة في أي بلد فلاحي، وهي في المغرب أكثر تعقيداً.

ما الذي ينتظره الفاعلون؟

ما يُميّز الحاتيمي عن سابقيه هو المزيج بين خبرة المقاولة والانتماء الجهوي. أنصاره يراهنون على مهاراته في تدبير سلاسل التوريد والتحكم في الكلفة وتثمين المنتوج الفلاحي، وهي بالضبط نقاط الضعف المزمنة في القطاع: الفاقد بين “الإنتاج” و”البيع”، وضياع القيمة المضافة بين المنتوج الخام والمصنّع، وتشتت الفلاحين الصغار في غياب تنظيم إنتاجي فعّال.

لكن الرجل لم يدبّر قبلاً قطاعاً عمومياً يمسّ ملايين الأرواح ويحرّك أسعار البلاد بأكملها. ولأن كلمة “السيادة الغذائية” أُضيفت إلى اسم الوزارة، فإن السقف السياسي للتوقعات ارتفع. انتماء الحاتيمي إلى تارودانت يمنحه رمزية الرجل القادم من الأرض والذي يعرف منطقها، لكن الرمزية تُقاس بما يلمسه الناس: ماء يصل إلى الحقول، و قطيع لا يشكو المربي من كلفته، وأسعار لا تنهك جيب المواطن. والوقت المتاح لإثبات ذلك ليس أطول من الوقت الذي مُنح لمن سبقه.

و من هذا المنبر الإعلامي المتميز نتمنى للسيد الوزير كل التوفيق والنجاح في مهامه و أن يكون خير خلف لخير سلف.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button