الجزائر تبحث عن “مخرج بشرف”.. والملك يفتح الباب أمام حل توافقي في الصحراء المغربية

 المنطقة المغاربية تقترب من منعطفات حاسمة. فبينما تمسكت الجزائر تاريخياً بخطط بديلة تهدف إلى إفشال مسلسل التسوية الأممية-الأمريكية حول نزاع الصحراء، تشير المعطيات المتاحة إلى أن الضغوط الأمريكية كانت العامل الأساسي الذي دفعها إلى أمرين:

أولاً، الجلوس على طاولة المفاوضات

، وثانياً، الانخراط في مسار الحل الوحيد المطروح عليها.

و البحث عن مخرج بشرف اليوم، ومع تعقيد المشهد وتشابك المصالح، تجد الجزائر نفسها أمام تحدٍ كبير: كيفية الخروج من هذا الملف بـ”شرف” يحفظ مكانتها الإقليمية. هنا يبرز الدور المغربي، حيث فتح الملك محمد السادس الباب واسعاً أمام هذا المخرج.

تأكيد الملك على حرص المغرب الدائم لإيجاد “حل لا غالب فيه ولا مغلوب” كان بمثابة طوق نجاة دبلوماسي، يتيح لجميع الأطراف الخروج من المأزق مع الحفاظ على ماء الوجه. التزم المغرب بهذا التوجه الملكي بدقة متناهية، وتجلى ذلك في عدة مؤشرات ملموسة: · الالتزام بالسرية: تجنب الطرف المغربي أي تسريب لتفاصيل مفاوضات مدريد، سواء ما كان معلناً بشكل شكلي أو سرياً في مضمونه. · تجميد المشاريع التنافسية: تم تأجيل وإرجاء فتح أظرفة مشاريع البنية التحتية للغاز المرتبطة بميناء الناظور المتوسطي، في خطوة تهدف إلى منح الجزائر مساحة في المعادلة الطاقية الإقليمية وعدم استباق نتائج الحوار. ·

ضبط النفس: تجنب المغرب أي تصعيد رسمي بخصوص ملفات حساسة مثل استغلال منجم غار جبيلات أو التعامل مع الحوادث الحدودية (أحداث إيش)، رغم ما تمثله من استفزازات.

الجزائر تعدل خطابها: من “قضية دولة” إلى “تعاطف إنساني”؟ في مقابل هذه الخطوات المغربية، ترصد قراءة المشهد تحولاً تدريجياً في الخطاب الرسمي الجزائري تجاه ملف الصحراء.

المؤشرات واضحة: · غياب الموضوع عن الخطاب الرسمي: اختفى ملف “الصحراء الغربية” من حوار الرئيس الجزائري الدوري أمام الإعلام، كما غاب عن كلمات الوفود الجزائرية في القمة الإفريقية الأخيرة.

· غياب قيادة البوليساريو: تزامن ذلك مع تغيب غير معتاد لرئيس “البوليساريو” عن المحافل القارية لنفس الاعتبارات المرتبطة بتحول الموقف الجزائري.

· تحويل الملف إلى “قضية مجتمع مدني”: تحاول الأوساط المقربة من صنع القرار الجزائري، مع ضيق الوقت المتبقي، إعادة تسويق دعم “تقرير المصير” على أنه لم يعد قراراً استراتيجياً للدولة، بل مجرد تعاطف من منظمات المجتمع المدني مع “قضية إنسانية”، تظهر عبر مبادرات رياضية (كمباريات كرة القدم) أو زيارات وفود عربية للمخيمات.

تبييض الصورة: الرئيس بصفقة “رجل السلام” في سياق هذا التحول الكبير، يحاول الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ترسيخ صورة جديدة لنفسه على المستويين الإقليمي والدولي. إنه يقدم نفسه كرجل سلام مبادر إلى التهدئة.

وقد تجلى ذلك في: · تحييد الجبهات: غياب التوترات مع تونس وموريتانيا.

· إصلاح العلاقات: مبادرة إلى طي صفحة الخلافات مع إسبانيا وفرنسا والنيجر. ·

لعب دور إقليمي: السعي للمساهمة في رسم ملامح تسويات لأزمتي ليبيا ومالي، وهو مسار متدرج يبدو أنه يهدف إلى تهيئة الأرضية لإعلان تسوية كبرى في ملف الصحراء، ليقدم نفسه كرجل نجح في طي نزاعات المنطقة وفتح صفحة جديدة قائمة على التوافق بدل الصراع. منطق “الضفدع المغلي” وبداية التسريبات في هذا السياق الدقيق، يلعب مسعد بولوس، المبعوث الأمريكي، دوراً محورياً. يبدو أنه يعتمد على “منطق الضفدع المغلي” مع الجانب الجزائري، أي إدخال الطرف إلى وعاء المفاوضات بهدوء وتدرج. السرية الكاملة للمفاوضات سمحت بذلك، فالضفدع (الجزائر) يسبح بهدوء تام في ماء بارد. لكن النار بدأت تشتعل تحت الوعاء مع ظهور تسريبات متدرجة عن المفاوضات. بدأ الماء “يسخن بلطف”، والضفدع يجد متعة في السباحة قد تدفعه لمواصلة التقدم حتى يبلغ الغليان مع حلول منتصف الصيف، وهو الموعد المتوقع لتوقيع “اتفاق الإطار”. مدح بولوس العلني للرئيس الجزائري وحكمته يأتي في هذا الإطار. إنه مدح ضروري لتغطية الكشف عن الجزء الأول من الحقيقة الثابتة: أن الجزائر اليوم هي طرف شارك في التفاوض وقبلت بالمقترح المطروح. ويبقى السؤال: هل ينجح الطرفان في الوصول إلى الصيغة السحرية التي تحفظ التوازنات، وتنهي أطول نزاع إقليمي في المنطقة، وتعيد رسم ملامح مغارب جديد؟


Exit mobile version