من الفيضانات إلى العطش.. مفارقة الماء التي تكشف هشاشة البنية المائية المغربية

تحقيق:
الرباط – بينما تغمر مياه الأمطار الغزيرة مدنًا في أقصى الشمال، وتشرد العشرات، وتغرق الشوارع، يقف مزارعو حاحة وشيشاوة و الجنوب يتأملون سد المسيرة، ذلك العملاق الخرساني الذي لم يعد يفرغ سوى 14% من قدرته، متمنين لو أن جزءًا من تلك السيول التي تدمر شمال البلاد تصل إليهم لتروي أرضًا عطشى وقلقًا متزايدًا.
هذه هي المفارقة المغربية في أبهى صورها، وأقسى تجلياتها. بلد يغرق جزء منه بينما يعطش الآخر، في مشهد يكشف عن خلل عميق في نظام “العدالة الهيدرولوجية” ويدفع إلى إعادة طرح سؤال مصيري: لماذا لم نربط أحواضنا المائية بعد؟
فائض يذهب سدى.. وعجز يهدد المدن
المشهد في حوض سبو واللوكوس هذه الأيام هو مشهد طاقة مائية هائلة ضائعة. سدود تفيض، وأنهار تخرج عن مجاريها، ومياه عذبة تذهب مباشرة إلى البحر حاملة معها أتربة خصبة كانت يمكن أن تنعش حقولًا وأشجارًا مئـوية في الجنوب. وفي المقابل، فإن مؤشرات الملء في سدود تانسيفت وأم الربيع وأبو رقراق تبعث على القلق، حيث لا تتجاوز في أحسن الأحوال 40%، فيما بعضها، كالمسيرة، يلامس مستويات حرجة.
هذا الوضع ليس جديدًا، بل هو تكرار مأساوي لأزمة 2022 و2023 التي وصلت فيها خزانات الشرب في محور الدار البيضاء-الرباط إلى شفا الانهيار، وبدأت شاحنات الصهاريج تظهر في أحياء راقية، قبل أن تنقذ الوضع قناة طوارئ ربطت سبو بسد سيدي محمد بن عبد الله في وقت قياسي. لقد كان “إنذارًا أحمر” لم يُؤخذ بكل جديته.
مشروع ضخم في أدراج النسيان
قبل أكثر من عقد ونصف، وتحديدًا في عام 2010، وضع خبراء المياه والمهندسون تصورًا لمشروع استراتيجي أُطلق عليه “الطرق السيارة للماء”. فكرته بسيطة تقنيًا، معقدة ماليًا: شبكة من القنوات والأنابيب العملاقة تنقل الفائض المائي من أحواض الشمال الغنية إلى أحواض الوسط والجنوب العطشى.
المفاجأة كانت في التكلفة: 30 مليار درهم. وهو مبلغ يساوي تقريبًا ما أنفق على مشروع القطار السريع (TGV) الرابط بين طنجة والدار البيضاء. هنا وقف صانع القرار أمام خيارين: قطار يربط بين مدينتين في ساعة ونصف، أو مشروع مائي يربط بين أحواض البلاد ويؤمن مستقبلها المائي لعقود.
الخيار وقع على القطار السريع.
خبراء: “التكلفة الحقيقية للتأخير أكبر بكثير”
نتحدث مع الدكتور محمد أزرق، أستاذ الموارد المائية في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، الذي يقول: “الدرس الذي نتعلمه اليوم هو أن تأخير الاستثمار في البنية المائية لا يوفر مالًا، بل يضاعف الخسائر. خسائر الفيضانات في البنية التحتية والشوارع والزراعة، وخسائر الجفاف في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وتدهور التربة، وتهجير سكان العالم القروي. ثم تكلفة حلول الطوارئ، والتي تكون دائمًا أكثر كلفة وأقل كفاءة من التخطيط المسبق”.
ويضيف أزرق: “مشروع ربط الأحواض ليس ترفًا، بل هو تأمين على الحياة في ظل التقلبات المناخية التي ستجعل فترات الجفاف أطول والفيضانات أكثر عنفًا. يجب أن يكون خيارًا وطنيًا لا يقل أولوية عن الطرق السيارة أو السكك الحديدية”.
أصوات من الميدان: “نرى الماء يضيع ونحن نعطش”
في منطقة سيدي بنور، المجاورة لسد المسيرة، يقول الحاج عمر (مزارع): “نشاهد التلفاز ونرى الناس في الشمال يشكون من كثرة الماء، ونتمنى لو نستطيع تخزين تلك القطرات. كل قطرة تذهب للبحر هي خسارة لنا. الدولة بنت سدودًا عظيمة، ولكن يبدو أنها نسيت أن تبني الطرق التي توصل الماء بين هذه السدود”.
هذا الشعور بالإحباط هو ما يلخص فجوة التوقعات بين المواطن الذي يعيش معاناة شح الماء يوميًا، وبين التخطيط الكبير الذي غالبًا ما يضع مشاريع “الجاهزية السياسية” السريعة قبل المشاريع الحيوية طويلة الأمد.
طريق المستقبل: ربط الأحواض وتحلية البحر
اليوم، وفي ظل الأزمة المتفاقمة، لم يعد الحديث عن ربط الأحواض خيارًا، بل ضرورة. كما أن التجربة الناجحة للقناة الطارئة بين سبو وسيدي محمد بن عبد الله تثبت أن التقنية موجودة والإرادة قادرة على تحقيق المعجزات إذا وجدت.
لكن الخبراء يحذرون من أن ربط الأحواض ليس الحل السحري الوحيد. فالمغرب، البلد الساحلي بطول 3500 كلم، مطالب بتسريع وتيرة مشاريع تحلية مياه البحر، خاصة للاستعمال المنزلي في المدن الساحلية، وتحرير المياه السدنية للزراعة. كما أن إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة في الري الصناعي والحدائق، وترشيد الاستهلاك في جميع القطاعات، تبقى إجراءات مكملة لا غنى عنها.
الخلاصة:
الفيضانات التي تشهدها بعض مناطق المغرب اليوم ليست مجرد كارثة طبيعية، بل هي تذكير قاسٍ بثروة مهدرة. إنها صرخة الماء التي تطلب منا أن نعيد النظر في أولوياتنا. لقد دفعنا ثمن تأخير “الطرق السيارة للماء” غاليًا خلال أزمة الجفاف الماضي، ونحن ندفع ثمنه اليوم من خلال الدمار الذي تخلفه الفيضانات وعدم استغلالها.
السؤال الآن: هل سننتظر أزمة جديدة، أم أن دروس الماضي والحاضر كافية لتحويل مشروع ربط الأحواض من حبر على ورق إلى واقع ملموس، يصبح فيه فائض الشمال نعمة للجنوب، بدل أن يكون نقمة على أهله؟ الإجابة ستحدد ملامح مستقبل المغرب المائي في العقود القادمة.



