في تطور حاسم على مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، تمكنت المملكة من تحويل معادلة السيطرة على الأقاليم الجنوبية لصالحها، بعد عقود من التعايش مع وضعية المنطقة العازلة التي كانت تستغلها ميليشيات “البوليساريو” لتمرير رواياتها الانفصالية.
ما قبل 2020: 80% تحت السيادة المغربية و20% منطقة عازلة
قبل سنة 2020، كان المغرب يسيطر على 80% من أراضي الصحراء، في المقابل كانت 20% المتبقية مصنفة كمنطقة عازلة بموجب قرارات الأمم المتحدة واتفاق وقف إطلاق النار. غير أن هذه النسبة، التي تسميها البوليساريو “المنطقة المحررة”، كانت مسرحاً لتحركات انفصالية منتظمة، أبرزها المؤتمر السنوي الذي كانت تنظّمه الميلشيات في منطقة تيفاريتي.
المغرب، التزاماً منه باتفاق وقف إطلاق النار والمواثيق الدولية، كان يترك هذه التحركات ما دامت لا تتجاوز الجدار الدفاعي أو تهدد أمن واستقرار المنطقة.
2020.. تهور البوليساريو وتشجيع جزائري
الهدوء النسبي الذي استمر لعقود انتهج مع نونبر 2020، عندما تهورت ميليشيات البوليساريو، بتشجيع من النظام الجزائري، وقررت اقتحام المنطقة العازلة الواقعة بين المغرب وموريتانيا، وتحديداً بمعبر الكركرات الحدودي.
وكان الهدف واضحاً: قطع الطريق على الشاحنات المغربية المتجهة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء، وتعطيل حركة التبادل التجاري التي طالما استهدفتها هذه الميليشيات. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تُقدم فيها البوليساريو على قطع هذا الممر الحيوي، حيث سبق أن تكررت مثل هذه الاستفزازات.
قرار ملكي حاسم.. استعادة الكركرات وتأمين الحدود
لم يعد المغرب يقبل باستمرار هذا الوضع غير المستقر. القوات المسلحة الملكية تدخلت بحزم وحكمة لإنهاء هذه المهزلة، وتمت السيطرة على معبر الكركرات بشكل كامل، وقطع الممر الذي كانت تستغله البوليساريو للوصول إلى المحيط الأطلسي. وتم تمديد السيطرة المغربية على الأراضي حتى آخر الحدود مع موريتانيا.
هذه العملية النوعية أعقبتها تعزيزات ميدانية أخرى، حيث تم تمديد الجدار الدفاعي في مناطق إضافية، لتتقلص رقعة المنطقة العازلة التي كانت تسميها البوليساريو “مناطق محررة” إلى ما لا يتجاوز 10%، بل إن هذه النسبة المتبقية باتت تحت المراقبة الجوية المغربية الدقيقة، مما حرم الميلشيات من حرية التحرك التي كانت تنعم بها لعقود.
تيفاريتي خارج الخدمة.. والمؤتمر ينتقل إلى تندوف
من أبرز نتائج هذه المتغيرات الميدانية أن البوليساريو لم تعد قادرة على تنظيم مؤتمرها السنوي في تيفاريتي داخل المنطقة العازلة، كما كانت تفعل طوال السنوات الماضية. فقد أضحت المنطقة تحت المراقبة المغربية، وأصبح تحرك الميلشيات فيها مكشوفاً، مما اضطرها إلى نقل مؤتمرها إلى تندوف داخل الأراضي الجزائرية.
الحكم الذاتي.. المبادرة التي رفضوها والحل الذي ينتظرهم
هذه المعادلة الجديدة تترجم ببساطة أن المغرب يسيطر على الأرض، ولا توجد أي قوة قادرة على زحزحته منها. والمملكة، التي تقدمت بمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 كحل سياسي توافقي تحت السيادة المغربية، لا تزال تمد يدها للسلام، لكنها في المقابل مستعدة للتعايش مع الوضع الحالي لقرون، كما تعايشت معه لعقود.
المعادلة واضحة: إما القبول بمبادرة الحكم الذاتي التي تحظى بدعم دولي متزايد، وإما الاستمرار في الوضعية الحالية التي ترسخ فيها المغرب سيادته يوماً بعد يوم. فمن لم يفهم درس الخمسين سنة الماضية، فليستعد لخمسين سنة أخرى، كما أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من مناسبة: “المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها”. وهي حقيقة لا رجعة فيها، مهما تعاقبت السنوات وتعددت المحاولات اليائسة.