الداخلة والكويرة.. لماذا تتصاعد الحملات الإعلامية ضد المغرب الآن؟

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبرز سؤال ملح: لماذا تتصاعد الحملات الإعلامية والمواقف السياسية المستهدفة للمغرب من بعض العواصم الإقليمية والدولية، خاصة في ما يتعلق بالأقاليم الجنوبية؟
الرباط – بعيداً عن الخطاب السياسي التقليدي، تشتعل في العمق حرب مصالح صامتة، محورها مدينتا الداخلة والكويرة. فالهجوم الإعلامي الملحوظ من بعض المنابر الفرنسية والسعودية، والمناورات الموريتانية الأخيرة، ليست سوى محاولات لفرملة القطار التنموي المغربي الإماراتي الذي انطلق بسرعة قياسية في الأقاليم الجنوبية.
الصراع الخليجي: الداخلة جوهرة الاستثمار
يكمن جوهر المشكلة ليس في الخلافات السياسية المعلنة، بل في التنافس الاقتصادي الخفي. فمنذ الزيارة التاريخية لجلالة الملك محمد السادس إلى أبوظبي، حسم المغرب خياراته الاستراتيجية بعقد اتفاقيات كبرى جعلت من الإمارات الشريك الاقتصادي الأول والأكثر موثوقية في تنمية الأقاليم الجنوبية.
هذا التحول الاستراتيجي لم يمر دون ردود فعل. فالسعودية، التي تراهن على “رؤية 2030” لتكون محور الجذب السياحي والاستثماري في المنطقة، وجدت نفسها خارج دائرة اللعبة في أرخبيل الداخلة والكويرة. في هذا السياق، يمكن قراءة الهجوم الإعلامي لقناة “العربية” وتغييرها للمصطلحات المعتادة، كرسالة غير مباشرة تعبّر عن رغبة في إيجاد موطئ قدم في الجنوب المغربي، بعدما سبقتهم الإمارات بذكاء وسرعة.
الكويرة: الصخرة التي تتحطم عليها أوهام نواكشوط
على الجانب الآخر، تكشف تحركات موريتانيا الأخيرة واستقبالها لوفود انفصالية، عن محاولة ابتزاز سياسي واضح. فموريتانيا تدرك جيداً أن تحويل الكويرة إلى قطب سياحي عالمي بتمويل إماراتي، سيمحي الدور الاقتصادي لمدينة نواذيبو، ويطوي نهائياً صفحة “المنطقة الرمادية” التي لعبت عليها نواكشوط طوال السنوات الماضية.
ما تصفه بعض الأوساط الموريتانية بـ”القلق المشروع” هو في العمق محاولة يائسة للضغط على المغرب لصرف النظر عن مشروع تعمير الكويرة. غير أن هذه المحاولات تتحطم أمام قرار سيادي مغربي مدعوم بشريك دولي موثوق، لن يتراجع أمام أي ضغوط.
فرنسا وإسبانيا: لعبة الخاسر والرابح
تعيش فرنسا اليوم حالة عزلة دبلوماسية غير مسبوقة في الملف المغربي، بعد أن فقدت دور الوسيط التقليدي. فمشاهدة الاستثمارات الإماراتية الضخمة والبنية التحتية المغربية الواعدة على الواجهة الأطلسية، يعني بالنسبة لباريس نهاية حقبة الوصاية الفرنسية إلى الأبد.
في المقابل، أثبتت إسبانيا أنها الطرف الذكي في هذه المعادلة. فتصريحات وزير خارجيتها الأخيرة، التي أكد فيها أن المغرب هو “الصديق الأول”، تعكس رغبة مدريد الواضحة في ركوب قطار التنمية الذي يربط الداخلة بجزر الكناري، بدلاً من الانتظار في محطة فرنسا البالية.
المغرب: من تثبيت الحدود إلى فرض النفوذ
المغرب اليوم ينتقل بثقة من مرحلة تثبيت الحدود الترابية، إلى مرحلة فرض النفوذ الاقتصادي. والحملات الإعلامية المزدوجة التي تستهدفه هي في العمق اعتراف ضمني بأن المغرب بات ملعباً للكبار، حيث تتنافس قوى كبرى مثل الإمارات وأمريكا وإسبانيا للاستثمار والشراكة.
أما زمن الإملاءات الفرنسية، أو الابتزاز الموريتاني، أو التوجيه السعودي، فقد ولى دون رجعة. المغرب اليوم لا يختار شركاءه بعواطف اللحظة، بل يختار الدول الموثوقة التي تدعم وحدته الترابية بالعمل لا بالقول. وكانت الإمارات في الموعد.



