أخبار عامة

المقاربة الأفقية ودور الفاعل التربوي في بناء مؤسسات تعليمية فاعلة

بقلم: محمد أيت الحاج


تسهم في غياب المشاركة في تنزيل البرامج، الأمر الذي يعكس تمركز السلطة داخل هرم إداري مغلق، حيث تنتج القرارات في نطاق ضيق دون إشراك فعلي للفاعلين الميدانيين( المشرف التربوي/ الأستاذ..).
هذا النمط الأحادي في الحكامة يُضعف الإحساس بالمسؤولية المشتركة، ويحد من إمكانات الإبداع الجماعي، إذ لا يمكن لمؤسسة تربوية أن تُنتج دينامية حية في ظل غياب التداول والتكامل. ويتعزز هذا الوضع بغياب رؤية استراتيجية مندمجة مع باقي البنيات التربوية، ما يفرز تشتتا في الجهود ويحول دون بناء مشروع مؤسساتي موحد.
وعلى المستوى السوسيولوجي، فإن تدبير الموارد البشرية يكشف عن حاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد والمؤسسة على أساس العدالة التنظيمية والاعتراف المتبادل. فالمهنية في معالجة القضايا المرتبطة بشغيلة التعليم الأولي ليست مجرد التزام إداري، بل هي ممارسة أخلاقية تؤسس لكرامة الفاعل التربوي. كما أن الضغط المهني المصحوب بغموض الأدوار يُنتج توترًا بنيويًا قد يتحول إلى شكل من أشكال الاغتراب الوظيفي.
من هنا تبرز ضرورة خلق بيئة عمل محفزة، تُشجع المبادرة وتثمن الجهود، باعتبار أن الاستثمار في الرأسمال البشري هو الشرط الجوهري لأي تحول تربوي ذي أفق إصلاحي.
الفاعل التربوي: من الوظيفة إلى الرسالة:
إن الفاعل التربوي ليس مجرد موظف يؤدي مهاماً محددة داخل بنية إدارية، بل هو ذات فاعلة تنخرط في سيرورة اجتماعية معقدة تنتج المعرفة وتعيد تشكيل الوعي الجمعي. فالتربية، في بعدها السوسيولوجي، ممارسة لإعادة بناء المجتمع عبر الأجيال، والفاعل التربوي أحد أبرز حاملي هذا المشروع الرمزي والتربوي.
من هنا، يغدو وعيه بأدواره المحورية شرطاً أساسياً لسلامة الفعل التربوي. فالممارسة المهنية الرشيدة تستند إلى عقلانية عملية تخضع الإشكالات للتحليل الموضوعي، وتتحرر من نزعات الانفعال والاندفاع. إن التحكم في الذات وضبط المواقف ليسا ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة مهنية تضمن الاتزان في اتخاذ القرار.
كما أن الإحاطة بالمرجعيات القانونية والأخلاقية تشكل أساساً لشرعية الممارسة، إذ لا يمكن تصور فاعل تربوي يجهل حدوده الوظيفية أو حقوقه المؤطرة بالقانون. فالمعرفة هنا ليست مجرد تراكم معلوماتي، بل وعي معياري يحدد موقع الفرد داخل البنية المؤسسية ويكسب فعله معنى ومسؤولية.
إن غياب الإدراك العميق للمهام والأدوار، أو التقليل من أهمية بناء هوية مهنية واضحة، يؤدي إلى هشاشة في الأداء وإلى ارتباك في العلاقات داخل الحقل التربوي. فالهوية المهنية تُبنى عبر الالتزام، والانسجام بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي، وعبر استبطان الرسالة التربوية باعتبارها مسؤولية جماعية.
ولا يمكن للمؤسسة التربوية أن تؤدي وظيفتها في ظل منطق فرداني نفعي، أو عبر توظيف مقاربات ميكافيلية تقوم على المناورة والمصلحة الضيقة. فالعلاقات المهنية ينبغي أن تؤسس على الثقة والتكامل والتعاون، حيث يصبح كل فاعل جزءاً من كل يسعى إلى تحقيق غاية مشتركة.
إن الفاعل التربوي، في نهاية المطاف، هو ضمير المؤسسة وصوتها الأخلاقي، ونجاحه لا يقاس فقط بكفاءة الأداء، بل بقدرته على تجسيد قيم النزاهة والوضوح والمسؤولية، وعلى الإسهام في بناء فضاء تربوي يزاوج بين المعرفة والإنسانية، وبين الواجب والالتزام.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button