وصايا الحجاج بن يوسف والمغرب اليوم.. قراءة في صمود أمة وتحطم مشاريع أعدائها

في كل مرة تتكالب فيها بعض الأطراف الإقليمية على المغرب، محاولة فرض معادلات لا تتماشى مع طبيعة هذا البلد العريق، تعود إلى الأذهان وصية تاريخية خالدة، كتبها الحجاج بن يوسف الثقفي إلى القائد طارق بن عمرو عندما ولاه أمير المؤمنين أمر المغرب. وكأن تلك الوصية التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، كانت بمثابة قراءة مستقبلية لطبائع هذه الأرض وأهلها، الذين ظلوا عبر العصور على حالهم: صخرة صلبة تتحطم عليها أحلام الأعداء.

المغرب في الوصية: شعب لا يقبل الظلم ولا يهاب المتسلطين

يقول الحجاج لطارق بن عمرو: “فعليك بالعدل فهم قتلة الظلمة وهادمى الأمم”. في هذه العبارة وصف دقيق لطبيعة المجتمع المغربي الذي لا يستكين للظلم، بل يصبح حين يقابله قوة مدمرة لكل من تسول له نفسه انتهاك حرماته. هذا ما عايشناه عبر التاريخ، وما نعيشه اليوم في مختلف الملفات الوطنية، حيث يقف المغاربة صفًا واحدًا خلف قيادتهم الرشيدة، يدافعون عن ثوابت أرضهم ودينهم وعرضهم.

وتكتمل الصورة في الوصية حين يصف الحجاج المغاربة بأنهم: “أهل قوة وصبر وجلدة وحمل، لا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم، فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه”.

وهذا ما نشهده اليوم بوضوح في المشهد المغربي، فالتحام الشعب المغربي بالعرش العلوي المجيد ليس مجرد شعارات، بل هو تجسيد حقيقي لهذه الوصية التاريخية. فالمغاربة قاموا لنصرة قائدهم فكان التاج على رأسه مرفوعًا بالبيعة والولاء، وقاموا على كل من تسول له نفسه المساس بالوحدة الترابية أو استقرار الوطن فكان جزاؤه السقوط والاندحار.

ثلاث محرمات: زوجاتهم، أرضهم، دينهم

يحذر الحجاج طارق بن عمرو من ثلاثة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في التعامل مع المغاربة، يقول: “أتقى فيهم ثلاثاً: زوجاتهم فلا تقرب لهم بسوء وإلا أكلوك كما تأكل الأسود فرائسها، وأرضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم، ودينهم وإلا أحرقوا عليك دنياك”.

هذه المحرمات الثلاثة هي نفسها التي لا تزال تشكل ثوابت الأمة المغربية اليوم. فالمجتمع المغربي يحافظ على قدسية الأسرة والعرض، ويدافع عن حياض الوطن وترابه بكل شجاعة، ويتمسك بدينه وعقيدته التي تشكل هويته العميقة. أي مساس بهذه الثوابت يقابل بغضب عارم لا يهدأ حتى يزول الخطر.

معبر الكركارات وانهيار المشاريع البديلة: شاهد على صدق الوصية

في سياق هذه الثوابت، يمكن قراءة ما يجري على الحدود المغربية الموريتانية في معبر الكرارات. فالمغرب، الذي عمل على تحويل هذا المعبر إلى بوابة اقتصادية آمنة ومزدهرة نحو غرب إفريقيا، يقدم نموذجًا للانفتاح القائم على العدل والتنمية والاحترام المتبادل. التدفق التجاري اليومي والانسيابية الأمنية التي يتمتع بها المعبر ليست سوى ثمرة لرؤية استراتيجية تستند إلى فهم عميق لطبائع المنطقة وأهلها.

في المقابل، انتهت المساعي الجزائرية لفتح منافذ بديلة نحو موريتانيا إلى الفشل الذريع، بعد أن اصطدمت بالتعقيدات الأمنية في منطقة الساحل، وبالجماعات غير النظامية التي كانت سببًا في إغلاق معبر الزويرات الحدودي مؤخرًا. تلك الجماعات التي وُظفت في وقت ما لخدمة مشاريع غير معلنة، انقلبت لتشكل تهديدًا على سلامة المواطنين، مما دفع السلطات الموريتانية إلى إغلاق المعبر في وجه النشاطات المشبوهة.

هذا الفشل الجزائري في تأمين طريق تجاري نحو غرب إفريقيا، يؤكد أن من يتعامل مع شعوب المنطقة بمنطق المآرب الضيقة، أو يسعى لاختراق ثوابتهم، مصيره الإخفاق كما حذرت الوصية. فالطريق الطويل الذي حاولت الجزائر تأمينه عبر مناطق غير مستقرة، لم يكن قادرًا على منافسة نموذج القرقارات الذي قام على العدل والتنمية والاحترام.

أنبوب الغاز النيجيري المغربي: المشروع الأمن والأنجح

وما ينطبق على المعابر الحدودية ينطبق أيضًا على مشاريع الطاقة الكبرى. فأنبوب الغاز الإفريقي الذي يربط نيجيريا بالمغرب، يعد المشروع الأكثر أمنًا وجدوى في المنطقة، لأنه يرتكز على رؤية تكاملية قائمة على التنمية المشتركة، ويمر عبر مناطق مستقرة نسبيًا، ويحظى بدعم دولي واسع. في المقابل، يبدو المشروع الجزائري البديل محكومًا بالويلات نفسها التي عرقلت مشاريعها السابقة: تحديات أمنية، وتعقيدات سياسية، وغياب للرؤية الاقتصادية الواضحة.

خاتمة: المغرب صخرة في جبل كبرياء الله

تختتم وصية الحجاج بن يوسف بوصف المغاربة بأنهم: “صخرة فى جبل كبرياء الله تتحطم عليها أحلام أعدائهم وأعداء الله”.

هذه الصخرة التي تحدث عنها الحجاج قبل أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، لا تزال قائمة اليوم، تتحطم عليها كل المؤامرات والمشاريع التي تسعى للنيل من سيادة المغرب ووحدته الترابية واستقراره. فمن معبر الكركارات إلى الصحراء المغربية، ومن أنبوب الغاز الإفريقي إلى كل ملفات التنمية الكبرى، يثبت المغرب أنه وفى لوصية التاريخ، وظل كما وصفه الحجاج: شعبًا لا يخاف الجهاد في سبيل ثوابته، ولا يهاب التحديات في طريق بناء مستقبله.

ومن يظن أن بإمكانه اختبار صبر المغاربة أو تجاوز حرماتهم، فليتذكر قول الحجاج: “فاتق غضبهم ولا تشعل ناراً لا يطفئها إلا خالقهم”، فما أشعلته الأيادي الخفية من نيران في المنطقة لم يطفئها إلا الله بفضل صمود هذا الشعب ووعيه، وما زال المغرب منيعًا بأهله وأرضه ودينه، صخرة في جبل كبرياء الله، تتحطم عليها أحلام كل معتد وطامع.

المغرب أولًا.. وفي القلب من أجل الوطن

Exit mobile version