
شخصيات من التاريخ: باحماد… “الوصي” الذي حكم المغرب من خلف الستار
بقلم: هيئة التحرير
في زوايا التاريخ المغربي المظلمة، ثمة شخصيات لعبت أدواراً محورية لكنها بقيت في طي النسيان أو اختزلها الرواة في صفات نمطية. من بين هذه الشخصيات، يبرز اسم أحمد بن موسى الشرقي البخاري، المعروف بـ”باحماد” (1840-1900م)، ذلك الرجل الذي حكم المغرب فعلياً طيلة ست سنوات، من 1894 إلى 1900، دون أن يجلس على العرش.
من حاجب إلى حاكم: صعود “الصدر الأعظم”
بدأ باحماد مسيرته كحاجب للسلطان الحسن الأول، وهو منصب كان أقرب إلى “صاحب الظل” وأمين الأسرار منه إلى مجرد موظف. كان الرجل ذكياً، داهية، يقرأ تحولات القصر ببراعة نادرة. وعند وفاة الحسن الأول عام 1894، كان المغرب على مفترق طرق: سلطان طفل (عبد العزيز لم يتجاوز الرابعة عشرة)، وصراعات داخلية على النفوذ، وقوى أوروبية تتربص بالبلاد.
هنا برزت عبقرية باحماد السياسية. استطاع أن يفرض نفسه وصياً على السلطان الشاب، وأن يحصر المنافسين واحداً تلو الآخر. حكم البلاد بعنوان “الصدر الأعظم”، وهي سابقة في تاريخ المخزن المغربي حيث صار الرجل الثاني هو الأول فعلياً.
الاستبداد والثروة: “قصر الباهية” شاهداً
لم يكن باحماد رجلاً عادياً في طموحاته. اشتهر بدهائه السياسي، لكنه اشتهر أيضاً بالاستبداد وببناء ثروة طائلة جعلته حديث العامة والخاصة على حد سواء. أروع ما خلفه هو قصر الباهية في مراكش، ذلك الصرح المعماري الفريد الذي كان يهدف لأن يكون أعظم قصر يُبنى في عصره.
يُروى أن باحماد أراد من القصر أن يكون “باهياً” بحق، فجمع أمهر الصناع والفنانين، واستقدم أجود المواد من مختلف أنحاء المغرب وخارجه. لكن المفارقة أن هذا القصر الذي بناه ليكون سكنه الخاص، لم يسكنه طويلاً. مات باحماد قبل أن يكتمل القصر بالكامل، ليصبح بعد ذلك أحد أشهر معالم مراكش السياحية، وشاهداً على عصر من العبقرية المعمارية المقترنة بالاستبداد السياسي.
سياسة الحديد والنار: بين المحافظة على الاستقلال والضغط الجبائي
تقييم فترة باحماد يظل مثار جدل بين المؤرخين. من جهة، يُنسب إليه الفضل في الحفاظ على استقلال المغرب في فترة كانت فيها الدولة ضعيفة والهواجس الاستعمارية تتصاعد. استطاع باحماد بدهائه أن يوازن بين القوى الأوروبية المتناحرة، وأن يبقي البلاد متماسكة رغم ضعف مركز السلطة.
لكن من جهة أخرى، عرفت فترة حكمه ضغوطاً جبائية خانقة على القبائل والفلاحين. فقد احتاج المخزن إلى المال لسد احتياجات القصر وإرضاء القناصل الأجانب، فكانت الضرائب مرتفعة، واليد الحديدية صارمة في تحصيلها. هذا الوضع أدى إلى توترات متكررة مع القبائل، التي كانت ترى في باحماد رمزاً للجور والاستبداد.
موت “الوصي” ونهاية عصر
في عام 1900، وبينما كان باحماد في أوج قوته، جاءته المنية. مات فجأة، تاركاً فراغاً هائلاً في بنية الحكم. السلطان الشاب عبد العزيز وجد نفسه فجأة دون وصيه، لكنه لم يستطع أن يملأ الفراغ. تلت وفاة باحماد فترة من الفوضى والاضطراب، كان جزء منها سبباً في تسريع وتيرة الاختراق الاستعماري للمغرب في السنوات التالية.
الصورة: نافذة على الزمن
الصورة المرفقة، التي تعود إلى سنة 1860، تظهر باحماد في بدايات صعوده، بملامحه الحادة التي تشي بالدهاء والصلابة. إنها صورة نادرة لواحد من أكثر الرجال غموضاً في تاريخ المغرب الحديث.
بين النقاد والمؤرخين، يظل باحماد شخصية معقدة. هو الوصي الذي لم يسرق العرش لكنه حكمه، هو الباني لقصر الباهية الذي لم يسكنه، هو الحافظ للاستقلال بيد من حديد، وهو رمز للاستبداد والضغط الجبائي. قصر الباهية يقف اليوم في مراكش، صامتاً، يحكي لقائليه قصة رجل من أغنى وأدهى رجال عصره، حكم المغرب من خلف الستار، ومات ليبدأ بعده عصر من الاضطراب مهد الطريق لاستعمار لم يلبث أن جاء.
المصدر: وثائق تاريخية، كتب التراجم المغربية، وأرشيف الصور الملكية



