بين “قدسية الوصية” ونجاسة “الوضعية”: سيكولوجية القطيع عند أتباع المتصوفة المنحرفين


قراءة في ظاهرة الدفاع عن القيادات الروحية المتورطة رغم انكشاف أفعالها

حين تصدمك الوقائع بأن “شيخاً” أو “قائداً روحياً” غارق في الرذيلة والانحلال والترف والتبذير، ثم تجد أتباعه يستميتون في الدفاع عنه بحجة “الوفاء بالعهد” أو “قدسية الوصية”، فأنت لست أمام حالة دينية يمكن فهمها بمنطق العقيدة، بل أمام ظاهرة مركبة ومعقدة، تتطلب تدخل مختصي علم النفس والاجتماع لفهم آلياتها.

فلماذا يدافع هؤلاء عن المنحرف ؟ ولماذا يصرون على تبرير ما لا يقبل التبرير؟

تفسيران لا ثالث لهما

وفقاً للمقاربات السوسيولوجية والنفسية، يمكن تفكيك هذه الظاهرة من خلال تفسيرين رئيسيين:

الأول: الاستثمار في الفساد

– حيث يكون هؤلاء الأتباع، مهما علت مناصبهم أو ارتفعت شهاداتهم، شركاء فعليين في المنظومة الأخلاقية المنحرفة ذاتها. فالنخبة التي كانت تحيط بـ”جيفري إيبستين” لم تكن تجهل أفعاله، لكنها كانت تتغذى من نفس المائدة. هنا، “الوصية” تتحول من مفهوم ديني إلى مجرد “ميثاق صمت” لحماية مصالح متبادلة وفضائح مشتركة.

الثاني: الاستلاب الذهني (غسيل الدماغ)

– وهي الحالة التي يفقد فيها التابع بوصلته الفطرية والنقدية، فيصبح “العهد” بالنسبة له قيداً يمنعه من رؤية الحقيقة. هؤلاء يصابون بما يشبه “السحر الأسود” بمفهومه النفسي، حيث يتم تدمير الحاسة النقدية لديهم حتى يروا المنكر معروفاً والمعروف منكراً أي تختلط عليهم الأمور.

خدعة “باطن الشيخ” وتبرير الظاهر

أخطر ما يروجه هؤلاء هو الادعاء بأن للشيخ “سراً” يبيح له ما لا يبيح لغيره، أو أن له “باطناً” لا يفهمه العامة. وهذا، وفق المتخصصين، هو الانحدار الأخلاقي بعينه. فالحق أبلج، والباطل لجلج. والدين الذي لا يقوم على مكارم الأخلاق هو مجرد طقوس فارغة، والشيخ الذي يخالف الفطرة السوية لا يستحق لقب “مرشد” ولا “قدوة”، بل هو خطر على الأخلاق والمجتمع و الأمة الإسلامية جمعا .

رسالة إلى الأتباع: العقل والقلب قبل التقليد

لو رأيت وصية تدعو إلى اتباع الرذيلة أو موالاة الشيطان، حتى لو كتبت بماء الذهب أو نسبت لأقدس الجهات، فالحتمية الأخلاقية تقتضي مغادرة تلك المنظومة الملعونة دون التفات. فالله قد منحنا عقلاً نحاكم به النصوص، وقلباً نستفتيه في الحق و الخصوص.

الوفاء لعهد فيه معصية للخالق وإهدار للإنسانية ليس “إيماناً”، بل هو عبودية لبشر ضل وأضل. والتنصل من مثل هذا العهد و الوصية ليس خيانة، بل هو تطهير للروح واستعادة للكرامة الإنسانية و الفطرة الخلفية.

خلاصة

المشهد النفسي والاجتماعي لأتباع بعض الزوايا والتيارات المنحرفة، ممن يوالي شيخاً متورطاً في قضايا أخلاقية، يكشف عن خلل عميق في آليات التلقين والتبعية. والحل يبدأ بالاعتراف بأن القداسة ليست لأشخاص معصومين، بل للقيم و التعاليم الدينية والأخلاق فقط

فمن كان غارقاً في الرذيلة، مهما علت مكانته الروحية، لا يستحق الولاء، والوصية التي تتناقض مع الفطرة السليمة لا تستحق الحفظ. و قد آن الأوان ليعود العقل والنقد إلى صدارة المشهد الديني والاجتماعي.


Exit mobile version