تحتضن جبال الأطلس الكبير اتحادية قبلية عريقة تُعرف بـ”إداوتنان”

في الجزء الغربي من سلسلة جبال الأطلس الكبير، تحتضن الأرض المغربية اتحادية قبلية عريقة تُعرف بـ”إداوتنان”، وهي ليست قبيلة واحدة، بل ثلاث قبائل متحدة بروابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك: أيت واعزون في الشمال الشرقي، وأيت تنكرت في الشمال الغربي، وإفسفاسن في الجنوب الغربي.
تمتد حدود هذه الاتحادية من قبيلة إداوزكي شرقاً، حتى تطل على أمواج المحيط الأطلسي غرباً عند منطقتَي تغازوت وأيت أمر، وتلامس جنوباً مشارفَ مدينة أكادير ومنطقة مسكينة، بينما تتداخل شمالاً مع قبائل حاحا وإداوتغما.
وتنتمي هذه القبائل إلى صميم تكتل قبائل أمصمودن (المصامدة) العريقة، وقد قسّم ابن البيدق المصامدةَ إلى فريقين: أهل الظل في السفوح الشمالية الغربية الرطبة ذات الأهمية الاقتصادية، وأهل القبلة في السفوح الجنوبية الأشد قسوة وجفافاً.
لم تكن إداوتنان يوماً مجرد أرض جبلية معزولة، بل كانت موئلاً للعلم والمعرفة. فمنذ القرن الخامس الهجري، شهدت المنطقة انتشاراً واسعاً للحركة العلمية الموازية لما عرفه سوس الكبير، وأفرزت خمس مدارس علمية عتيقة وصفها الفقيه أحمد الكاشطي خريج جامعة القرويين بقوله: “في بني تنانة مواضع يقرأ فيها العلم…”
أبرز هذه المدارس:
🔹 مدرسة ألما (قبيلة إفسفاسن) بُنيت في القرن 13ه على يد الفقيه محمد بن علي بوعزا الوريالي التناني، واشتهرت بعلمائها حتى اليوم.
🔹 مدرسة تغانمين (أيت واعزون) وصفها الكاشطي بأنها “أعظم المدارس”، تأسست في القرن 10ه على يد الشيخ سيدي إبراهيم أوعلي، وما تزال تضم ما بين 60 و100 طالب.
🔹 مدرسة اسقال (أيت واعزون) اشتُهرت بالفقيه إبراهيم السقالي المتوفى سنة 1296ه.
🔹 مدرسة أسيف يك (إخرضيضن) بناها أحد أحفاد سيدي إبراهيم أوعلي، ولا يزال ضريح مؤسسها قائماً بجانبها.
🔹 مدرسة اسيمنا (تنكرت) أدّت دوراً رائداً في الماضي، وإن أُغلقت أبوابها اليوم.
كانت قبائل إداوتنان تجسيداً حياً لنظام قبلي متماسك، يقوم على وحدة العصبية وتقاسم الموارد. وتُعدّ قبيلة إفسفاسن أصغر قبائل الاتحادية نموذجاً دراسياً ممتازاً لهذا التنظيم، إذ تنحدر من ستة أعظام (إخسان) كبرى:
وحسب احصاء 1924:
أيت وانكريم 410 أسرة
أيت اوقصري 340 أسرة
أيت تيويلت 285 أسرة
أيت ووركا 260 أسرة
إيروتن 190 أسرة
أيت والما 116 أسرة
المجموع 1610 أسرة
هذه الأرقام مستقاة من إحصاء المستشرق الفرنسي لاتيرون عام 1924م.
مقاومة الغزو البرتغالي:
في مطلع القرن 16م، لم تكن إداوتنان بعيدة عن الشأن العام حين هدّد البرتغاليون سواحل أسفي وموكادور. كان الإمام محمد الجزولي يتنقل في أرجاء الجنوب من أسفي إلى إحاحان وإداوتنان يشعل في القلوب جذوة الجهاد والوعي الديني. وحين انطلق السعديون بقيادة قبائل الأطلس الكبير لتحرير ميناء أكادير، كانت إداوتنان بحكم موقعها الجغرافي ركيزةً استراتيجية لا يُستهان بها.
الحضور في العصر المعاصر:
بعد تأسيس مدينة الصويرة سنة 1769م على يد السلطان محمد بن عبد الله، برزت قيادات محلية من إداوتنان أسهمت في حراسة الطرق التجارية الواصلة بين الميناء ومناطق الإنتاج الداخلية. ومن أبرز هؤلاء القائد الحاج عبد الله أبيهي الذي تولى ضبط الأمن في رقعة واسعة تشمل إحاحان وتارودانت وشتوكة وإداوتنان.
بعد معاهدة الحماية الفرنسية سنة 1912م، دخلت إداوتنان في مواجهة طويلة مع المستعمر. وقد استعصت على الاحتلال العسكري المباشر بفضل:
تضاريسها الجبلية التي حالت دون تغلغل القوات الفرنسية.
نظام “إنفلاس” (مجلس الأعيان) و”أيت الربعين”، وهي مؤسسات حكم محلي ديمقراطية الطابع، تُمثّل القبيلة وتُسيّر شؤونها بشكل جماعي.
شبكة التنسيق بين المقاومين، كالقائد محمد أنفلوس الذي كان على تواصل مستمر مع أعيان إداوتنان.
وتجلّت أبهى صور المقاومة في شخص الحاج اشو التناني الذي رفض الاستسلام وأبى الخضوع. ولم تفلح فرنسا في إخضاع إداوتنان لإدارتها إلا عام 1927م، بعد حصار اقتصادي خانق ومدفعية وقصف جوي بالطائرات. وبعد ذلك أسندت السلطات الفرنسية القيادة إلى عائلة بوناكة العريقة، فيما تولى محمد بن الحسن الرئاسة على قبيلة تنكرت بتوسط من القائد التكزريني.
تشهد إداوتنان اليوم، كما كثير من مناطق سوس، تحولات عميقة تُهدد المنظومة القبلية التقليدية القائمة على العرف (إزرفان)، والملكية الجماعية، والتضامن الأسري. فأمام موجة الرأسمال والملكية الفردية والهجرة، بدأت الروابط القبلية تتآكل تدريجياً، وهو ما يستدعي قبل فوات الأوان توثيق هذا الإرث وإعادة الاعتبار لتاريخ لم يأخذ بعد حقه من الدراسة والبحث.
منقول من صفحة امارك امازيغ



