بقلم / سيداتي بيدا
في تلك البقعة القصية من الجنوب المغربي، حيث تتداخل رياح “زمور لكحل” مع صمت الصحراء العميق، لا تُولد الحكايات العادية، بل تتشكل مصائر مشحونة بالإصرار والتحدي. هناك، من السمارة، خرج الحنفي العدلي لا كاسمٍ عابر في سجل الرياضة، بل كقصة تمشي على قدمين، وتكتب نفسها كل يوم من جديد فوق أرض لا تعترف إلا بالصابرين.
لم تكن البداية مفروشة بالضوء، بل كانت أقرب إلى دروبٍ طويلة يختبر فيها الإنسان نفسه قبل أن يختبره الآخرون. في تلك البيئة التي تُعلّم أبناءها أن الطريق لا يُمنح بل يُنتزع، تشكلت ملامح رجلٍ سيحمل لاحقاً على كتفيه مشروعاً أكبر من مجرد تدبير رياضة: مشروع إعادة بناء كرة اليد المغربية على إيقاع الطموح لا العادة.
حين تولّى قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد، لم يدخل إلى موقعه كموظف إدارة، بل كمن يدخل إلى ورشة مفتوحة على الأسئلة الثقيلة: كيف تُستعاد المنافسة؟ كيف يُعاد الاعتبار لرياضة فقدت الكثير من بريقها؟ وكيف يمكن تحويل الهشاشة التنظيمية إلى صرح مؤسساتي قادر على الصمود؟
كانت الإجابة عنده تبدأ من فكرة واحدة: لا إصلاح دون رؤية، ولا رؤية دون جرأة على كسر الركود. ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة، هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. أعاد ترتيب الأولويات، شدّ الانتباه إلى الفئات الصغرى، وفتح النقاش حول التكوين باعتباره حجر الأساس، لا مجرد تفصيل ثانوي في المنظومة.
لكن الحكاية لم تكن محصورة في المكاتب أو الاجتماعات. فالرجل ظل يحمل في قلبه ارتباطاً عضوياً بنادي وداد السمارة، ذلك الامتداد الطبيعي للجذور، حيث تتحول القيم إلى ممارسة يومية: الانضباط، الصبر، والعمل الجماعي. هناك، في قلب المدينة التي أنجبته، ظل يراقب صناعة اللاعبين كما يراقب الفلاح زرعه، يعرف أن النتائج الحقيقية لا تُقطف بسرعة، بل تُبنى طبقة فوق طبقة، موسمًا بعد موسم.
ومع مرور الوقت، بدأ صدى التجربة يتجاوز الحدود المحلية. لم يعد الحديث عن كرة اليد المغربية بمعزل عن اسم الحنفي العدلي، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول الحوكمة والتطوير وإعادة الهيكلة. ثم جاء الامتداد الدولي، حيث وجد نفسه في فضاءات لوزان السويسرية، قلب المنظومة الرياضية العالمية، حيث تُصاغ القوانين وتُرسم التوجهات وتُناقش مستقبل الألعاب.
هناك، في تلك المدينة الهادئة التي تخفي خلف هدوئها ثقل القرار الرياضي العالمي، لم يكن الحضور المغربي مجرد مشاركة رمزية، بل كان امتداداً لمسار طويل من العمل المتراكم، الذي حمله رجل خرج من الصحراء ليصل إلى حيث تُدار اللعبة على مستوى العالم.
بين السمارة ولوزان بين رمال الجنوب وبحيرة جنيف تمتد خيوط قصة لا تروى كل يوم قصة رجل لم يغادر جذوره لكنه وسعها لتصل الى أبعد مما كان يتصور رجل جعل من كرة اليد اكثر من رياضة بل مساحة للمعنى وللاصرار ،ولا ثبات أن الطريق حين يبنى بالايمان والعمل ،يمكن ان يصل حتى الى قلب العالم.