الازدواجية في الخطاب الحقوقي: عندما تُطبّق “معايير التمثيل النسوي” على الدول الضعيفة فقط

لكل قاعدة استثناءات، ولعلّ أبرزها اليوم ما نراه في كبرى محادثات العالم، حيث يجلس أكبر اقتصاديين على طاولة واحدة في غياب تام لأي حضور نسوي. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين أولئك الذين صدعوا رؤوسنا بحقوق المرأة والتمثيلية النسوية والمناصفة؟

المشهد الذي نتابعه اليوم يُعيد إلى الأذهان سؤالاً جوهرياً حول مصداقية الخطاب الحقوقي الغربي، وهل هذه الشعارات النبيلة – كالمناصفة والعلمانية والانفتاح – هي قيم كونية تُطبق على الجميع، أم أنها مجرد أدوات ضغط تُستخدم فقط ضد الدول الضعيفة والمسلمة؟

لا يخفى على أحد أن الدول الكبرى التي طالما رفعت راية الدفاع عن حقوق المرأة، ودعت إلى قوانين تجرم “التمييز” وتفرض الكوتا النسوية في المجالس والمناصب القيادية، هي نفسها التي تجلس اليوم على طاولات المفاوضات المصيرية دون أن تضم امرأة واحدة. وكأن “التمثيلية النسوية” صارت سلاحاً ذا حدين: يُرمى به على دول الجنوب بحجة “التخلف”، ويُوضع في الأدراج عندما يتعلق الأمر بمصالح الشمال.

هذه الازدواجية تفضح التناقض الصارخ في المشروع الحقوقي الذي يُسوّق له البعض. فالقيم، إن كانت حقيقية، لا يمكن أن تكون انتقائية. لا يمكن أن نطالب بنسبة 30% من النساء في برلمان دولة نامية، بينما نتغاضى عن غيابهن التام في غرفة قرار تخص مستقبل العالم بأسره.

إن أردتم حقوقاً حقيقية للمرأة، فاجعلوها معياراً عالمياً لا يستثني أحداً، ولا يُميّز بين قوي وضعيف، ولا بين دولة مسلمة وأخرى علمانية. أما أن تتحول قضايا المرأة إلى “نادي للمبتزين الأخلاقيين” يُستخدم للضغط على الخصوم، فهذا هو بعينه انتهاك لروح العدالة التي يدّعون الدفاع عنها.

ولذلك نقول: أفيقوا من سباتكم. فالشعوب العربية والإسلامية لم تعد تنخدع بالخطاب المزدوج. أصبحت ترى بأم عينها أن كثيراً من هذه الشعارات ليست إلا غطاءً لأجندة سياسية واقتصادية، تُسقط عندما يحين وقت الجد، وتُستعاد عندما نريد إخضاع دول أخرى.

حقوق المرأة قضية مقدسة، لكنها لن تنتصر بالانتقائية والنفاق السياسي. إما أن تكون القيم عالمية للجميع، وإلا فلتتوقفوا عن استغلالها كذريعة للتدخل في شؤون الآخرين.

Exit mobile version