أخبار عامة

بيلماون بين الأمس واليوم: تراث أمازيغي عريق في مواجهة تحديات العصر

ظل طقس “بيلماون” أو “بوجلود” واحداً من أبرز المظاهر الثقافية الأمازيغية التي تزين أيام عيد الأضحى في المغرب، ليكون جسراً يربط الماضي بالحاضر، لكنه اليوم يجد نفسه أمام مفترق طرق بين الحفاظ على جوهره الرمزي وبين ممارسات مستجدة تهدد بتشويه صورته.

الجذور والامتداد: طقس يعانق التاريخ

يحتفل المغاربة، خاصة في مناطق سوس، بطقس “بيلماون” الذي تمتد جذوره إلى عصور غابرة وموغلة في تاريخ سكان شمال إفريقيا. وتُشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن هذا الطقس التنكري قد يكون مرتبطاً بعادات وتقاليد تقديسية للحيوان تعود إلى ما قبل دخول الإسلام إلى المنطقة.

تتعدد المسميات وفقاً للمناطق، فـ”بوجلود” و”بيلماون” تعنيان “صاحب الجلود” أو “لابس الجلود” في الأمازيغية,كما يُعرف في بعض المناطق باسم “هرما” و”بولبطاين”. أما جوهر الطقس، فيتمثل في ارتداء الشبان لجلود الأضاحي والتجول في القرى والأحياء على أنغام الموسيقى المحلية.

ويؤكد الباحث خالد ألعيوض أن هذه الاحتفالات “هي طقوس وعادات متجذرة في عمق ثقافة وتاريخ المناطق التي تحتفل بها”، مشدداً على ضرورة “عدم الخلط بين هذا الطقس الاحتفالي الشعبي العادي والشعيرة الدينية المتمثلة في الاحتفال بعيد الأضحى”. ويذهب الباحث عبد الله بوشطارت إلى أن الظاهرة قد ربطت بالممارسات الدينية الأمازيغية القديمة التي كان يُقدم فيها القربان للآلهة المحلية، قبل أن يتم تكييفها مع الإسلام.

القناع لغة للبوح والتمرد

يحمل طقس بيلماون، كما يراه الباحثون، وظائف اجتماعية ونفسية عميقة تتجاوز مجرد الفرجة. فهو “آلية من آليات التعبير والبوح بالكثير من الطابوهات الدينية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية بواسطة القناع”.

ويرى الباحث بوشطارت أن طقس بيلماون هو “فرجة تنكرية للتمرد على كل شيء”، مضيفاً أن “الشباب يحتاج إلى فضاءات مفتوحة لممارسة الفن الشعبي بدون قيود سياسية ولا شروط إدارية بيروقراطية”. ويعتبر القناع الذي يتخفى وراءه المشاركون فرصة للتعبير عن سلوكيات الإنسان في الحياة التي تهم انشغالاته وانشغالات المجتمع.

من القرية إلى المدينة: تحولات كبرى

شهد طقس بيلماون تحولاً كبيراً مع انتقال المجتمع الأمازيغي من مجتمع قروي إلى حضري. ويؤكد الباحثون أنه “عرفت هذه الاحتفالية تحولاً كبيراً في بعض الأشكال والأسلوب ومظاهر الاحتفال وغاياته”. وتُظهر الأرقام أن الإقبال على هذا الطقس زاد بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، حيث ارتفع عدد المشاركين إلى مئات بل آلاف الأشخاص، كما أصبح يجذب زائرين من خارج المغرب.

ويصف الأستاذ الحسين بويعقوبي، أخصائي الأنثروبولوجيا، هذا التحول بالجوهري، فـ”بعدما كان ممارسو هذا الطقس سابقاً مكونين أساساً من أفراد معدودين وذوي عمر متوسط، أصبح أغلب الممارسين اليوم من الشباب، وحتى من المراهقين”. وإذا كان هذا التطور يضمن استمرارية الطقس، فإنه حمل معه تحديات جديدة، فـ”الممارسين في المجال الحضري لم يتلقوا التنشئة الثقافية الخاصة بهذا الطقس ورموزه وأبعاده”.

سلوكيات دخيلة وممارسات مثيرة للجدل

يحذر الباحثون من أن بعض الممارسات المرافقة لطقس بيلماون اليوم باتت تخدش صورته، خاصة في المدن الكبرى. فقد تحول القناع أحياناً إلى وسيلة للتخفي والاختباء من أجل ارتكاب أفعال غير مقبولة.

وبحسب الباحث خالد ألعيوض، فإن “الاحتفال في المدن تشوبه بين الفينة والأخرى ممارسات شاذة، ويستغله البعض مناسبة سانحة لتنفيذ سلوكات غير أخلاقية ومنافية للقانون، كالسرقة والتحرش الجنسي بالنساء” خاصة في حي إحشاش بمدينة أكادير و حي تيكمي اوفلا بمدينة الدشيرة ، مضيفاً أنه “يجب الاعتناء بالجانب الأمني والتنظيم المُحكم لهذه التظاهرات الاحتفالية، حتى لا تزيغ عن شكلها الفرجوي”.

وصلت حدة التجاوزات إلى أن طفت على سطح البرلمان، حيث وجه النائب حسن أومريبط سؤالاً كتابياً إلى وزيري الداخلية والثقافة، أشار فيه إلى أن “لبس جلود الأضاحي والأقنعة التنكرية أصبح ملجأ لعدد من السكارى واللصوص وذوي السوابق القضائية واليافعين المتهورين، ليتحول هذا التقليد بالتالي من طابعه الفرجوي إلى حالة من الفوضى العارمة”، وذكر أن الاحتفالات تزامنت مع “عمليات إجرامية كثيرة، كالسرقة الموصوفة والتهديد بالسلاح والاعتداءات الجسدية”.

وحذر الباحث محمد بادرة من تحول الظاهرة إلى نمط “فولكلوري” يُستخدم لأغراض ثقافية موسمية وقد يتحول أحياناً إلى أداة للدعاية السياحية أو السياسية.

بين الطرح والتصدي: جهود للحماية والتنظيم

في مواجهة هذه التحديات، تتصاعد الدعوات لحماية طقس بيلماون من التشويه. فمنذ سنوات، تطالب جمعيات ثقافية وجهوية بتسجيله ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو. وقد أبدت وزارة الشباب والثقافة والتواصل استعدادها للتنسيق مع الممارسين وكافة المعنيين من أجل إعداد ملف التسجيل، معتبرة أن بيلماون “يكتسي أهمية خاصة ضمن عناصر التراث الحي بمنطقة سوس”.

ويؤكد الباحثون أن الطقس لا يزال يحافظ على استمراريته في البوادي “ضمن طابع احتفالي فرجوي محض”. وتُشير المصادر إلى أن الجمعيات المحلية في مدينة الدشيرة الجهادية وبعض المناطق الأخرى تعمل على الارتقاء بهذا الطقس إلى كرنفال دولي محكم التنظيم، وإلى “توعية ممارسيه، إلى جانب الحد من بعض الممارسات التي تخدش جوهر بيلماون ورمزيته”.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button