أخبار عامة

عندما تتحول الهدايا إلى “نفايات”.. قراءة في ثقافة عدم الثقة بين القوى الكبرى

مشهد يختصر الكثير: قبل مغادرة الوفد الأمريكي للأراضي الصينية على متن الطائرة الرئاسية، تخلص الأعضاء من جميع الهدايا والتذكارات التي قدمها الجانب الصيني. شارات، دبابيس، أجهزة، هواتف.. كلها انتهت في حاوية نفايات كبيرة. لم يُسمح بدخول أي مقتنيات صينية إلى الطائرة. السبب؟ الخوف من أدوات تصنت وتجسس. أما الاحترام للمشاعر؟ فذلك شيء لا تعترف به السياسة الدولية.

هذا المشهد، وإن بدا قاسياً في شكله، إلا أنه يعكس حقيقة مرة في العلاقات بين القوى العظمى: السياسة الدولية لا تبني على القيم والمشاعر، بل على الحسابات الباردة وقراءة النوايا من زاوية الأمن القومي فقط.

من جهة، قد نتفهم موقف الوفد الأمريكي، ففي عالم تتسارع فيه الحروب الإلكترونية وتتطور فيه أدوات التجسس إلى درجة تصعب معها كشفها، يصبح الحذر مبرراً ولو كان على حساب اللياقات الدبلوماسية. فالأجهزة الإلكترونية والهواتف، مهما بدت بريئة، قد تحمل في داخلها “هدايا غير مرغوب فيها”.

أما من جهة أخرى، فالسؤال الذي يطرح نفسه: أين ذهبت لغة الحوار والثقة؟ هل وصلت العلاقات بين أكبر قوتين في العالم إلى هذا المستوى من الريبة، لدرجة أن قبول هدية تذكارية صار محظوراً أمنياً؟

وهنا يبرز تناقض أعمق: في الوقت الذي ترفع فيه الدول الكبرى شعارات الانفتاح والتعاون الدولي، نراها تمارس أقصى درجات العزلة الأمنية والحذر حتى في التفاصيل الصغيرة كدبوس أو شارة. وكأن اللعبة الدولية الكبرى لم تعد تحتمل حتى أبسط مظاهر المجاملات.

الخلاصة أن ما حدث ليس مجرد حادثة دبلوماسية عابرة، بل هو مرآة لمرحلة دولية تتسم بتفكك الثقة، حيث يُنظر لكل طرف في الآخر على أنه “تهديد محتمل”. وفي خضم هذه البيئة المتوترة، تصبح المشاعر الإنسانية والقيم الأخلاقية أول ضحايا السياسة الباردة.

يبقى القول إن مثل هذه المشاهد لا تخدم أحداً في النهاية. فهي تُعمق الهوة بين القوى الكبرى، وتُذكرنا بأن العالم لا يزال يحكمه منطق “حينما تغيب الثقة، تحضر النفايات” حتى في أكثر اللقاءات رفعة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button