أخبار عامة

الجدل حول تاريخ الجزائر: هل صنعتها فرنسا “قطعة قطعة” من أراضي الجوار؟

أحدث المؤرخ الفرنسي برنار لوغان جدلاً واسعاً بعد صدور كتابه الجديد “تاريخ الجزائر: من البدايات إلى اليوم” (Histoire des Algéries, des origines à nos jours)، حيث يطرح فيه رؤية مثيرة للجدل مفادها أن الجزائر لم تكن موجودة ككيان موحد قبل الغزو الفرنسي عام 1830، وأن باريس “صنعتها قطعة قطعة” عبر اقتطاع أراض من دول الجوار، وتحديداً المغرب وتونس و مالي.

هذه التصريحات، التي تزامنت مع تصاعد التوتر بين الجزائر والرباط، لم تمرّ مرور الكرام، بل أثارت موجة من الردود الغاضبة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الجزائرية، التي اتهمت لوغان بـ”كتابة التاريخ بأجر” لخدمة أجندة سياسية “مخزنية” .

ما الذي يقوله كتاب لوغان؟

لا يكتفي لوغان في كتابه بوصف الحدود الجزائرية الحديثة بأنها “مصطنعة”، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليشكك في وحدة النسيج الاجتماعي والتاريخي للمنطقة التي تشكل اليوم الجزائر. وفقاً لرؤيته، فإن ما يُعرف اليوم بالجزائر كان ما قبل الاستعمار عبارة عن “أقاليم متفرقة”، بعضها كان تابعاً نفوذياً للسلطان المغربي (خصوصاً المناطق الغربية مثل تلمسان ومعسكر و بشار و تندوف)، وأخرى كانت تحت الوصاية العثمانية في الشرق، دون وجود كيان سياسي أو وطني جامع . ويصف لوغان “السردية الوطنية الجزائرية” الرسمية بأنها “تاريخ م fabricated” (مُختلق) بهدف منح شرعية لنظام الحكم القائم بعد الاستقلال .

و أكد لوغان أن فرنسا هي من “عمّدت” هذه المناطق باسم “الجزائر” عام 1839، ثم عملت خلال فترة الاحتلال على وصل هذه “القطع” جغرافياً عبر ضم أراضٍ كانت تابعة للمغرب، مثل تندوف وبشار وتيديكلت وقورارة و تلمسان.

ردود فعل غاضبة:

قوبلت تصريحات لوغان بحملة نقد لاذعة في وسائل الإعلام الجزائرية، التي رأت في طرحه امتداداً للأطروحات التوسعية المغربية. ففي مقالات نشرتها صحف مثل “الشروق أونلاين” و”لإكسبراس” و”Dzair Tube”، اتُهم لوغان بأنه “مؤرخ مأجور” يكتب بناءً على طلب القصر الملكي في الرباط، الذي يسعى عبر واجهات إعلامية مثل صحيفة “Al-360” (المملوكة لكاتب الملك محمد السادس) إلى بث روايات تخدم المخطط التوسعي للمملكة المغربية على حساب السيادة الجزائرية .

ويرى النقاد أن توقيت هذه الطروحات ليس أكاديمياً بحتاً، بل سياسي بامتياز، يهدف إلى ضرب “الذاكرة الوطنية” الجزائرية وإضعاف الجبهة الداخلية، والتلميح إلى أن كيان الدولة الجزائرية “هش” أو غير شرعي تاريخياً .

دفاع لوغان: كشف “المسكوت عنه”

في المقابل، يدافع لوغان عن نفسه بعيداً عن الاتهامات، مؤكداً أنه بصفته مؤرخاً لا يمكنه “الرضوخ للعقائد التي تفرضها الرواية الرسمية”. ويعتبر أن النقاش حول حدود الجزائر أو تنوعها العرقي (العرب والأمازيغ) هو نقاش أكاديمي مشروع، لكنه أصبح “من المحرمات” في الجزائر بسبب “متلازمة الوجودية” التي تعاني منها النخبة الحاكمة و التي ليس لها تاريخ و تحاول سرقة تاريخ غيرها.

ويستشهد لوغان في حواراته الصحفية بأرقام ووثائق تاريخية، مثل اعتراف أطراف جزائرية بوجود “فصائل” و”انقسامات” خلال حرب التحرير (مثل تصريحات مسؤولين جزائريين سابقين حول وجود “نزاعات” في صفوف المجاهدين)، أو حقيقة أن عدد الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي (250 ألفاً) فاق عدد المجاهدين أنفسهم (70 ألفاً) وفق بعض التقديرات . كما يشير إلى أن الحدود الحالية تم ترسيمها في ظل الاستعمار (اتفاقيات ترسيم الحدود بين فرنسا والمغرب 1845)، وأن المغرب تم اقتطاع أراضيه الشرقية لصالح إنشاء ما عُرف بـ”الجزائر الفرنسية” .

حرب الروايات بين الجزائر والرباط

يمثل هذا الجدل الحلقة الأحدث في “حرب الذاكرة” الدائرة بين الجزائر والمغرب، والتي تفاقمت بشكل كبير بعد قطع الجزائر للعلاقات الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021. فبينما تسعى الرباط إلى توظيف حقائق تاريخية تدعم موقفها بشأن “سيادتها على الصحراء الشرقية” وتعزيز مطالبها بـ”الحدود التاريخية”، تعتبر الجزائر أن هذه الدعوات تمثل “مساً خطيراً بسيادتها وسلامة أراضيها” .

وفي سياق متصل، استُخدمت قضية الكاتب فرانسو-جزائري بوعلام صنصال، الذي سُجن مؤخراً بتهم تتعلق بـ”المساس بالوحدة الوطنية”، كورقة ضغط. حيث ربط لوغان ووسائل إعلام مغربية بين قضية صنصال (الذي صرّح بأن مناطق غرب و شرق الجزائر كانت تابعة للمغرب) والمحاولات “لكسر تابو التاريخ” في الجزائر .

بين التاريخ والسياسة

يبقى السؤال المطروح: هل يقدم برنار لوغان قراءة موضوعية لمرحلة ما قبل الاستعمار، أم أنه أسير أيديولوجيته المعروفة بتبنيه لرؤى “اليمين الفرنسي المتطرف” ودفاعه عن “المهمة الحضارية” للاستعمار؟ .

من جهة، لا يمكن إنكار أن مفهوم “الدولة القومية” الحديثة بحدودها المرسومة هو مفهوم استعماري بامتياز، لم يكن معروفاً في شمال أفريقيا قبل القرن التاسع عشر الذي سادت فيه إما الإمبراطوريات (مثل العلويين في المغرب والعثمانيين في الجزائر وتونس) أو الكيانات القبلية. ومن جهة أخرى، يرى مؤرخون جزائريون وغيرهم أن ما يجمع الجزائريين من نسيج اجتماعي وتاريخ من مقاومة مشتركة للاستعمار هو ما يجمع الكيان الجزائري بكل مكوناته رغم حدوده “الحديثة” و المصتنعة من قبل المستعمر الفرنسي.

في النهاية، يبدو أن كتاب برنار لوغان سيظل مادة للجدل السياسي أكثر منه مرجعاً أكاديمياً محايداً، إذ استُقبل في الجزائر بهجوم سياسي شرس وُصف فيه بـ”العميل”، بينما رُوّج له في المغرب كـ”كشف للتاريخ الحقيقي”. تبقى الحقيقة التاريخية التي لا غبار عليها أن الجزائر كيان مصطنع.

.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button