إلزامية التكوين المستمر للمنتخبين المحليين: ركيزة أساسية لحكامة ترابية ناجعة

لم يعد تدبير الشأن المحلي مجرد ممارسة إدارية أو مسؤولية تمثيلية عابرة، بل تحول إلى مجال حيوي يتطلب كفاءات متجددة ومتنوعة في القانون، والتخطيط، والتواصل، والمالية، والتنمية المحلية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إقرار التكوين المستمر والإلزامي للمنتخبين والمسؤولين المحليين، باعتباره ضرورة استراتيجية لضمان جودة التدبير وتحقيق التنمية المنشودة، خصوصاً في ظل التطور السريع للتشريعات وتغير احتياجات المواطنين

إن التكوين المستمر يعني ألا يقتصر تأهيل المنتخب على فترة وجيزة قبيل توليه المهام، بل يمتد طوال ولايته الانتدابية، من خلال دورات دورية إلزامية، لا تقل عن 15 يوماً في السنة، تغطي المستجدات القانونية، وأساليب التدبير الجيد، وتقنيات التواصل مع المواطنين، ومبادئ الشفافية والمحاسبة، وأخلاقيات المرفق العمومي.

فكما لا يُسمح للطبيب بممارسة الطب دون تكوين مستمر، ولا للمهندس بمزاولة الهندسة دون تجديد معارفه، فإن تدبير مصالح المواطنين ومقدرات الجماعات الترابية يستوجب بدوره تكويناً علمياً وعملياً متجدِّداً يؤهل المسؤول لمواكبة التحولات، وتفادي الأخطاء، والارتقاء بأدائه بشكل مستدام.

إن الاستثمار في التكوين المستمر للمنتخبين ليس تكلفة إضافية على الميزانيات العمومية، بل هو استثمار حقيقي في:

· جودة القرار العمومي وترشيد النفقات.
· تعزيز ثقة المواطن في مؤسساته المنتخبة.
· الحد من النزاعات الإدارية والقضائية الناتجة عن سوء التدبير.
· رفع كفاءة الأداء التنموي للجماعات، وجعلها قادرة على التكيف مع المستجدات.

وعليه، فإن اعتماد نظام للتكوين المستمر والإلزامي طوال الولاية الانتدابية، بدلاً من الاكتفاء بتكوين أولي محدود، يشكل خطوة إصلاحية كبرى نحو بناء إدارة محلية عصرية، تضع الكفاءة إلى جانب الشرعية، وتستجيب بوعي وحكمة لانتظارات المواطنين، وتواكب متطلبات التنمية المستدامة بروح المسؤولية والاحترافية.

Exit mobile version