أخبار عامة

الحاج عبد الله الرحيمي.. رجل بنى زاويةً لحبِّه “أهلَ الله” قبل أن يُكلَّف بإمامتها

في مشهدٍ روحانيٍّ جمعَ أقطابَ الطريقة القادرية البودشيشية بجهة سوس ماسة، كان للحاج عبد الله الرحيمي حضورٌ مميز، لم يقتصر على كونه وجهاً من وجوه المنطقة، بل تجلَّى في صورة مُقدَّمٍ جديدٍ للطريقة، يُضافُ إلى سِجلِّ الرجال الذين سخَّروا حياتَهم لخدمة التصوف وأهله. غير أن الرجل، المنحدر من دوار البويبات بجماعة إنشادن، لم يكن غريباً عن هذا الدرب، إذ سبقَ تعيينُه الرسمي بخطوةٍ نادرةٍ كشفت عن عمق انتمائه، تمثلت في تخصيصه بقعةً أرضيةً من ملكيته الخاصّة لبناء زاويةٍ تابعةٍ للطريقة القادرية، قبل أن يُكلَّف رسمياً بمهمة تقديمها في منطقته.

هذه المبادرة التي تُمثل “صدقةً جاريةً” في ميزان من يحبون “أهل الحال”، كما يُعبّر أهل الطريقة، رسمت صورةً مغايرةً للحاج عبد الله الرحيمي، لم تقتصر على كونه فقيهاً وحاملاً لكتاب الله، بل جعلت منه نموذجاً للعطاء الصوفي الذي لا ينتظر التكليف ليكون حاضراً. فبناء الزاوية قبل المنصب، يعكس خُلقاً نادراً في زماننا، حيث يسبق الفعلُ المنصبَ، وتتقدم الرغبة في خدمة التصوف على أي اعتبار تنظيمي.

أخلاقٌ تتجلى في خدمة التصوف

في الأوساط الصوفية، يُعد التصوف في جوهره “خلقاً”، كما يُجمع المشايخ والعلماء. وهو ما تجسَّد في سلوك الحاج الرحيمي الذي لم ينظر إلى الأرض التي وهبها للزاوية كاستثمار دنيوي، بل كقُربةٍ تُقرِّبه إلى الله وإلى “أهل الله”. هذه النزعةُ الأخلاقية، التي تضع المحبةَ والإيثارَ فوق المكاسب، هي التي جعلت منه شخصيةً محوريةً في دوار البويبات، حيث يُعرف عنه سعةُ الخُلق والتواضع، وحرصُه على جمع الناس حول كلمة التوحيد والذكر.

وحين حلَّ ضيفا على الشيخ مولاي معاذ القادري بودشيش، مع كل من المنسق الجهوي ومقدمي الطريقة بمدن تيزنيت وأكادير وتارودانت وهوارة، لم يكن اللقاء لمجرد زيارة اعتيادية، بل كان تتويجاً لمسيرةٍ من العطاء والتضحية، حيث كان الرحيمي مثالاً للفقيه الذي يجمع بين العلم الشرعي والذوق الصوفي، متخلقاً بأخلاق الأولياء ومتأدباً بآدابهم.

تكليفٌ جاء متأخراً على من سبق بخدمته

تعيين الحاج عبد الله الرحيمي، الذي صدر بتوقيع الشيخ مولاي معاذ القادري بودشيش، لم يكن صدفةً، بل جاء كتتويجٍ لسلوكٍ تربويٍّ راقٍ، ولتاريخٍ من الحضور الفاعل في المشهد الروحي بالمنطقة. ويُنتظر أن يُسهم هذا التكليف في تأطير المريدين وتنشيط الفعاليات الروحية، لا بصفته مسؤولاً فحسب، بل باعتباره قدوةً في التواضع والإخلاص، وهو ما دفع أبناء المنطقة للتعبير عن ارتياحهم لهذه الخطوة، متمنين له التوفيق في مهمته الروحية.

في زمنٍ أصبحت فيه القيمُ المادية تهيمن على كثير من العلاقات، تظل سيرةُ الحاج عبد الله الرحيمي نموذجاً للفقيه الذي جعل من أخلاقه رسالةً، ومن محبته لأهل الله منهاجاً، قبل أن تكون له زاويةٌ أو منصبٌ يُذكر به.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button