أخبار عامة

الحرة مسعودة الوزكيتية.. أم أحمد المنصور الذهبي وواقفة البر والعمران

قد تحفظ كتب التاريخ أسماء الملوك والسلاطين، غير أن وراء كثير منهم شخصيات كان لها أثر في صناعة الأحداث وتوجيه مسارها. ومن بين هذه الشخصيات الحرة مسعودة الوزكيتية، والدة السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، التي اقترن اسمها بأعمال البر والوقف والعمران، حتى بقي ذكرها حاضرا في المصادر التاريخية المغربية وفي الذاكرة الشعبية.

تنتمي الحرة مسعودة إلى أسرة وزكيتية عرفت بمكانتها في منطقة سوس، وهي ابنة الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي الورزازي. وقد تزوجها السلطان السعدي محمد الشيخ، فأنجبت السلطان أحمد المنصور الذهبي، أحد أبرز سلاطين الدولة السعدية. وتذكر الدراسات التاريخية أن أسرتها كان لها دور في توطيد نفوذ السعديين في جنوب المغرب، وهو ما يفسر المكانة التي حظيت بها داخل الدولة.

ورغم أن المصادر لم تفصل كثيرا في حياتها الخاصة، فإنها أجمعت على ما عرفت به من الصلاح، وكثرة أعمال الخير، والاهتمام بأحوال الناس. وقد أورد المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ترجمتها نقلا عن ابن القاضي، كما أفرد لها العباس بن إبراهيم السملالي ترجمة في كتابه الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، وهو ما يدل على المكانة التي احتلتها في التاريخ المغربي.

ومن أبرز ما ارتبط باسم الحرة مسعودة مسجدها المعروف بـ”جامع الحرة” في مدينة مراكش، وهو من المعالم الدينية التي شيدت في العصر السعدي، وظل يؤدي رسالته الدينية والعلمية عبر القرون. ويعد هذا المسجد شاهدا على عناية المرأة المغربية بالمؤسسات الوقفية، وإسهامها في خدمة الدين والمجتمع، وهو جانب تناوله الباحث عثمان إسماعيل في دراسته حول العمارة الدينية في العصر السعدي بمراكش.

وتشير الباحثة رشيدة برياط، في دراستها المنشورة ببوابة الرابطة المحمدية للعلماء بعنوان “مسعودة الوزكيتية أم أحمد المنصور الذهبي”، إلى أن المؤرخين وصفوا مسعودة بأوصاف منها “الحرة” و”الناسكة” و”القوامة”، وهي أوصاف تعكس ما اشتهرت به من التدين، والإنفاق في وجوه البر، والعناية بالمؤسسات الدينية. كما تؤكد الدراسة أن حضورها في المصادر التاريخية لم يكن بسبب نسبها إلى السلطان فحسب، وإنما لما تركته من آثار خيرية وعمرانية بقيت شاهدة على سيرتها.
ويذكر عدد من الباحثين أن اسمها ارتبط كذلك برعاية الفقراء والمحتاجين، والاهتمام بالأوقاف، وهي أعمال كانت تمثل أحد أهم أوجه العمل الاجتماعي في المغرب السعدي. وقد كان نظام الوقف آنذاك من الوسائل الرئيسة لدعم المساجد، وتعليم القرآن، وإعانة الفئات المحتاجة، ولذلك اكتسب الواقفون مكانة خاصة في المجتمع.

ومن اللافت أن المصادر التاريخية، على أهميتها، لم تكثر من الحديث عن تفاصيل حياتها اليومية، وهو أمر مألوف في كتب التاريخ الوسيط، التي كانت تعنى غالبا بأخبار الدول والسلاطين أكثر من عنايتها بسير النساء. ومع ذلك، فإن ما حفظته هذه المصادر يكفي لإبراز صورة امرأة جمعت بين المكانة الاجتماعية والعمل الخيري، وبين القرب من مركز القرار والإسهام في خدمة المجتمع.

إن سيرة الحرة مسعودة الوزكيتية تذكرنا بأن التاريخ لا يصنعه القادة وحدهم، بل يسهم في بنائه أيضا رجال ونساء تركوا آثارا نافعة في ميادين العلم والعمران والوقف والإحسان. ومن هنا تظل مسعودة الوزكيتية واحدة من الشخصيات النسائية التي تستحق أن تستعاد سيرتها، لا من باب المبالغة في تمجيدها، وإنما إنصافا لدورها كما أثبتته المصادر التاريخية.

📚المراجع:

▪︎ أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
▪︎ ابن القاضي، المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور.
▪︎ العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، تحقيق عبد الوهاب بن منصور.
▪︎ عثمان إسماعيل، من تاريخ العمارة الدينية في عصر السعديين بمراكش، مجلة دعوة الحق.
▪︎ رشيدة برياط، “مسعودة الوزكيتية أم أحمد المنصور الذهبي”، بوابة الرابطة المحمدية للعلماء.

✒️ بشرى بن عبد القادر، مهتمة بقضايا المرأة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button