يندرج الحديث عن المستشارين الملكيين ضمن القضايا التي تستوجب قدرا كبيرا من الدقة الدستورية، لأن بناء دولة المؤسسات يقتضي الفصل بين الوظائف الدستورية، وعدم الخلط بين سلطة اتخاذ القرار، وسلطة التنفيذ، ووظيفة المشورة. فليس كل من يقترب من مركز القرار يمارس السلطة التنفيذية، وليس كل من يحظى بثقة جلالة الملك محمد السادس نصره الله يمتلك اختصاصات مستقلة عن المؤسسات الدستورية.
لقد أرسى دستور المملكة لسنة 2011 هندسة مؤسساتية واضحة تقوم على توزيع الاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتوازن بين المؤسسات. وفي هذا الإطار، لا يشكل المستشارون الملكيون مؤسسة دستورية قائمة بذاتها، ولا يمارسون صلاحيات تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، وإنما يضطلعون بوظيفة المشورة والإسناد الاستراتيجي لفائدة المؤسسة الملكية، كل في مجال خبرته وتخصصه، ووفق التكليفات الملكية.
وتنبع مكانة المستشارين من الثقة الملكية التي يحظون بها، ومن كفاءاتهم العلمية والمهنية، وليس من امتلاكهم سلطة إصدار القرارات أو تدبير الإدارات العمومية. فالقرار التنفيذي يبقى من اختصاص الحكومة والإدارة وفق الدستور والقانون، بينما يمارس البرلمان وظائف التشريع والرقابة، ويتولى القضاء مهامه باستقلال تام.
ومن هذا المنطلق، فإن علاقة المستشارين بالإدارة ليست علاقة رئاسة أو وصاية أو إشراف مباشر، إذ لا يخضع الموظفون العموميون لهم في التسلسل الإداري، ولا تصدر عنهم أوامر إدارية نافذة، إلا إذا كانت هناك آليات قانونية أو تنظيمية خاصة في إطار التكليفات الرسمية. فالإدارة المغربية تعمل وفق قواعد المشروعية والاختصاص والمسؤولية، وليس وفق العلاقات الشخصية أو الرمزية.
أما علاقتهم بالأحزاب السياسية، فهي تقوم على الحياد المؤسساتي. فالمستشار الملكي ليس فاعلا حزبيا، ولا طرفا في المنافسة الانتخابية، ولا معنيا بالصراع السياسي اليومي، لأن المؤسسة الملكية، بمقتضى الدستور، تضطلع بدور التحكيم وضمان السير العادي للمؤسسات، وهو ما يفرض أن يظل محيطها الاستشاري بمنأى عن الاصطفافات الحزبية.
كما أن تواصل المستشارين مع مختلف الفاعلين يتم في إطار المهام التي يكلفون بها، سواء عبر اللقاءات، أو إعداد التقارير، أو الدراسات، أو تتبع الملفات الاستراتيجية، أو استقبال الوفود الوطنية والدولية عند الاقتضاء. لذلك فإن جزءا كبيرا من عملهم يتم بعيدا عن الأضواء، لأن وظيفتهم تقوم على إنتاج المعرفة الاستراتيجية وتقديم المشورة، وليس على صناعة الحضور الإعلامي.
إن قوة الدولة الحديثة لا تقاس بتضخم الأشخاص، وإنما بوضوح المؤسسات. ولذلك، فإن المستشار الملكي الناجح هو الذي يضيف قيمة إلى القرار العمومي من خلال الرؤية والخبرة والاستشراف، مع احترام الحدود الدستورية الفاصلة بين المشورة والتنفيذ، وبين التأطير الاستراتيجي والتدبير الإداري.
وفي المغرب، الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمنطق الإصلاح المتدرج وترسيخ دولة المؤسسات، تبقى القاعدة الجوهرية هي أن كل مؤسسة تمارس اختصاصاتها في نطاق الدستور، وأن كل مسؤول يلتزم بحدود وظيفته. فالمستشارون الملكيون رصيد مؤسساتي مهم، لكنهم ليسوا بديلا عن الحكومة، ولا عن الإدارة، ولا عن البرلمان، بل يشكلون جزءا من منظومة الإسناد الاستراتيجي للمؤسسة الملكية، في إطار احترام مبدأ الاختصاص، وصيانة التوازن المؤسساتي، وترسيخ دولة الحق الحق و القانون.