:
لم تكن الخطورة في الصور البروتوكولية العابرة التي تجمع المسؤولين، بل في الخيوط الخفية التي تُنسج خلف الأبواب المغلقة. فما خفي من تفاهمات جانبية ومناورات ملتوية هو وحده كفيل بقلب الموازين، غير أن جهاز المخابرات المغربي، بأعينه الساهرة التي لا تغفل، كان قد رسم خريطة المشهد قبل اكتماله، وأفشل مؤامرةً جديدةً كانت قد عُجنت في غرف الفنادق الأندلسية بين ممثلي العسكر الجزائري ومسؤولين إسبان.
في جنوب إسبانيا، حيث يُظن أن الأجواء الهادئة تخفي المؤامرات، رُصدت تفاصيلُ صفقةٍ رخيصةٍ تُقايض فيها الجزائر موقفَ مدريد من سيادتها الوطنية مقابل الغاز والامتيازات. غير أن هذه المناورات لم تدم طويلاً؛ إذ كانت أجهزتنا الأمنية قد وضعت كامل ملف الصفقة الأندلسية بين يدي صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أصدر توجيهاته السامية بتفعيل خطة ردع صامتة، زلزالٌ استباقي أعاد ترتيب الأوراق بكفاءة مغربية خالصة، وأسقط أوهام الغرف المغلقة قبل أن تجف أحبارها.
تبدأ القصة من عقدة الغاز؛ الجزائر التي قطعت أنبوبها المغاربي محاولةً خنق جارتها، واشترطت على إسبانيا عدم إعادة ضخ الغاز باتجاه الرباط، فاجأها المغرب ببراغماتيته العالية، مصلحاً شرايينه الطاقية عبر الأنابيب الإسبانية.
واليوم، وبعد تجربة مريرة للقطيعة الاقتصادية التي فرضتها الجزائر عقاباً على موقف مدريد الداعم لمغربية الصحراء، ها هي تعود لتفتح أسواقها للشركات الإسبانية وتُغريها بغازٍ إضافي بأسعار تفضيلية. لكن السؤال الاستراتيجي الذي تطرحه العقول الرصينة: ماذا في المقابل؟
في عالم السياسة الواقعية، لا شيء مجاناً. فالجزائر تسعى لشراء موقف إسباني مؤقت لتسويقه داخلياً، وتستبيح ثروات شعبها لتغذية هوسها الجيوسياسي ضد المغرب. لكن المغرب، بحنكة قيادته، يدرك أن المعادلة لا تُحسم بالعواطف، بل بالأوراق الميدانية الثابتة. ومن هذه النقطة المحورية، انطلق التحرك المغربي المدروس، الذي لم يكن ارتجالياً، بل صيغ بنسق تصاعدي بالغ الدقة و الحنكة في الإنجاز.
الموجة الأولى جاءت على شكل اختبار بطيء لقياس مدى استيعاب مدريد للرسالة، غير أن الإسبان تجاهلوا الأمر، فتدرج المغرب في رفع الإيقاع أمس، ولما استمرت حكومة سانشيز في صمتها، فُتح البحر على مصراعيه اليوم، لتقع الصدمة داخل المجتمع الإسباني وتستفيق قصور القرار على واقع ديمغرافي وسياسي لا يمكن إنكاره.
هنا تكمن عبقرية القرار الملكي؛ فصاحب الجلالة، ببصره النافذ، ورئيس مديرية الدراسات والمستندات، بفطنتهم الاستخباراتية، صنعا واقعاً ميدانياً ينسف أي تفاهمات سرية. إنها لعبة شطرنج المحترفين التي تجعل الحكومة الإسبانية، بزعيمها سانشيز، محشورة بين مطرقة الضغط الميداني وسندان المعارضة الشرسة، خاصةً مع تربص اليمين الإسباني بقيادة فيخو، المستعد لاستغلال هذا الارتباك لقلب الطاولة.
المغرب، بقيادته الحكيمة، يرسل اليوم رسالة واضحة إلى المونكلوا: الصوت وصل، واللعبة من الآن تُدار بإيقاع الرباط وشروطها، فما كان يُضمر في الظل قد كُشف، وما كان يُخطط له في الخفاء قد أُفشل بحنكة استباقية تضرب بجذورها في عمق عقيدة الدولة المغربية.
الخلاصة: المغرب، بفضل عقلانية قيادته ويقظة أجهزته الأمنية، لم يعد يتفاعل مع التحديات بل يستبقها، فكما أن للغاز والاقتصاد سلطته، فإن للحكمة الملكية والصبر الاستراتيجي سلطانٌ أعلى في قلب موازين القوة لصالح الوحدة الترابية والسيادة الوطنية.