عندما تحترق فرنسا: صمت الإعلام الغربي و العربي وازدواجية المعايير

في الأيام الأولى من أكتوبر 2026، اشتعلت فرنسا. لم يكن الأمر مجرد احتجاجات عابرة، بل موجة عارمة من الغضب الطلابي تحولت إلى أعمال شغب وتخريب ومواجهات دامية مع الشرطة. الأرقام تتحدث عن نفسها: ما يقرب من ألفي معتقل في يوم واحد، أكثر من ثلاثمائة من رجال الأمن بين جريح ومعتدى عليه، أكثر من ألف ثانوية تأثرت، عشرات الجامعات مغلقة، وحرائق التهمت مباني مدرسية وعجلات إطفاء.

لو أن هذا المشهد وقع في أي بلد عربي أو أفريقي، لكانت شاشاتنا مقلوبة على مدار الساعة. لكانت الجزيرة والعربية قد فتحتا البث المباشر، واستدعتا المحللين والخبراء، وقسّمتا الشاشة إلى ستة أجزاء، وبدأتا دروساً في الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن ما حدث هو العكس تماماً: صمت مطبق.

السؤال الذي يفرض نفسه:

لماذا لا نرى نفس الحماس الإعلامي عندما تحترق باريس؟ لماذا لا تتحول “فرنسا شاعلة” إلى هاشتاغ عالمي؟ لماذا لا يتوافد مراسلو كبرى الشبكات على ضواحي نانت ومارسيليا كما يفعلون في أي عاصمة عربية تشهد احتجاجات؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها واضحة:

أولاً: الإعلام الغربي يعتبر ما يحدث في فرنسا “شأناً داخلياً”. عندما يخرج الفرنسيون إلى الشوارع، يصنف الحدث في غرف الأخبار الغربية على أنه “مشكلة فرنسية”، وليس “أزمة عالمية”. أما عندما يخرج المصريون أو التونسيون أو السودانيون، فالأمر يتحول فوراً إلى “قضية دولية”. هذا التصنيف ليس بريئاً، بل هو عملية قوة تحدد من يستحق أن يُشاهد عالمياً ومن يُترك لمصيره المحلي.

ثانياً: بنية الجمهور غير متكافئة. قناة مثل الجزيرة لديها جمهور عالمي يتابع قضايا الشرق الأوسط والجنوب العالمي. لكن عندما تحترق فرنسا، هل تخصص الجزيرة نفس التغطية التي تخصصها لاحتجاجات في فلسطين أو سوريا أو اليمن؟ الإجابة من واقع المتابعة: لا. ليس عجزاً، بل أولويات. غرفة الأخبار تعرف أن جمهورها الأساسي ينتظر أخباراً من مناطق أخرى.

ثالثاً: جدار الإدراك بين “نحن” و”هم”. أظهرت دراسة حول تغطية الاحتجاجات في الإعلام الفرنسي والإيطالي أن الصحفيين يميلون إلى الانحراف عن مبادئ الحياد عندما تكون الاحتجاجات ضد إجماع سياسي سائد. احتجاجات الطلاب الفرنسيين – مطالبهم بسيطة: نقص المعلمين، مدارس متهالكة – كان يفترض أن تلقى تعاطفاً. لكن بمجرد أن تحولت إلى عنف، أُعيد تصنيفها فوراً كـ”تحريض من أقصى اليسار” و”عنف حضري”. هذا الإطار السردي يحول المحتجين من “شباب لديهم مطالب مشروعة” إلى “غوغاء يجب السيطرة عليهم”، فيخفض التعاطف الدولي ويرفع عتبة الاهتمام.

رابعاً: تطبيع عنف “الديمقراطيات”. هناك حقيقة لا تُقال صراحة: الإعلام الغربي لديه “صبر” ضمني على العنف في بلده أو في بلدان حلفائه. فرنسا تعيش دورات متكررة من أعمال الشغب منذ “السترات الصفراء”. مع الوقت، تحول الأمر إلى ما يشبه “سمة فرنسية” في التعبير السياسي، وليس أزمة تستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً. هذا الصبر نفسه لا وجود له عند تغطية دول غير غربية.

خامساً: ازدواجية المعايير ليست اتهاماً، بل بنية قائمة. عندما يكتب الصحفي الغربي عن “احتجاجات صغيرة” في المغرب أو الأردن أو مصر، فإنه يكتب من موقع المراقب الخارجي الذي يبحث عن “مؤشرات على التحول الديمقراطي”. لكنه عندما يكتب عن فرنسا، يكتب من موقع “الداخل” الذي يفهم تعقيدات المشهد ولا يريد تضخيمه. النتيجة: المغرب يظهر كأنه “نهاية العالم”، وفرنسا تظهر كأنها “مشكلة موسمية”.

ماذا يعني هذا للمشهد الإعلامي العربي؟

يعني أن علينا أن ندرك أن الإعلام ليس مرآة محايدة، بل فاعل سياسي. من يملك غرف الأخبار يملك سلطة تحديد ما هو “خبر” وما هو “ضجيج”. وما يحدث في فرنسا اليوم ليس استثناءً، بل قاعدة: عندما تكون الدولة غربية، تُقرأ الاحتجاجات في سياق “التوتر الاجتماعي الطبيعي”. وعندما تكون الدولة عربية أو أفريقية، تُقرأ في سياق “الانفلات الأمني وغياب الشرعية”.

هذا لا يعني أن نطالب الجزيرة والعربية بأن تتحول إلى نسخ من CNN أو BBC. لكنه يعني أن نطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا نتحرك بسرعة عندما يقع حدث في المغرب أو تونس، ونصمت عندما يقع في فرنسا؟

خاتمة:

فرنسا تحترق. والبوليس يعتقل بالمئات. والحرائق تلتهم المدارس. لكن الشاشات هادئة. وهذا الصمت ليس فراغاً، بل هو رسالة: بعض النيران تستحق المشاهدة، وبعضها تستحق التجاهل. والإعلام، شرقاً وغرباً، يختار كل يوم أي نار يستحق أن تُرى.

السؤال ليس عن فرنسا فقط. السؤال عنا: هل نريد إعلاماً يقيس الأحداث بميزان واحد، أم نكتفي بميزان المصالح؟

↑
Exit mobile version