رحيل رمز.. الحسن الثاني.. ملك الصمود والدهاء السياسي

في مثل هذا اليوم من 23 يوليو 1999، ودع المغرب ملكاً استثنائياً، كان عصره محطة فارقة في تاريخ البلاد، جمع فيها بين الحزم السياسي والدهاء الدبلوماسي، فحفر اسمه في وجدان الأمة كقائد استثنائي.
لم تكن شخصية الحسن الثاني، الذي تولى الحكم عام 1961، نتاج صدفة، بل كانت محصلة تربية ملكية وتكوين فريد . فقد جمع بين ثقافة عربية إسلامية متأصلة، وتكوين قانوني غربي جعله يجيد اللغات الفرنسية والإنجليزية، مما أهلّه ليكون جسر تواصل بين الشرق والغرب . هذه الازدواجية الثقافية جعلته يظهر كأمير عربي مسلم في المشرق، وقائد يفهم قيم الغرب في عواصمه .
السياسي المحنك وصانع المعجزات
عُرف الراحل بقدرته الفائقة على المناورة، وصفه البعض بـ”العبقري الدبلوماسي” . لقد أتقن فن الموازنة بين التناقضات، فقدم نفسه كراعٍ للدين الإسلامي ببناء مساجد كبرى، كمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ، وفي الوقت نفسه حافظ على علاقات وثيقة مع الغرب.
وتبقى “المسيرة الخضراء” في نوفمبر 1975 أبرز تجليات عبقريته السياسية . فبإرسال 350 ألف مغربي أعزل نحو الصحراء، استطاع توحيد الشعب خلف قضيته الوطنية، وفرض أمر واقع دولي دون إراقة دماء، في مشهد وصفه هو بأنه “جنون إيجابي”، حيث يتحول الإيمان إلى سلاح أقوى من المدافع .
الواقعي في السياسة والإرث
كان الحسن الثاني رجل دولة واقعياً بامتياز، فلم يتردد في فتح قنوات اتصال سرية مع إسرائيل ، واستضاف لقاءات تاريخية مهدت لاتفاقية كامب ديفيد . ورغم انتقادات المعارضة، رأى في ذلك خدمة للقضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية .
على الصعيد الداخلي، حكم بحكمة مطلقة، فأصدر أول دستور للمملكة عام 1962 ، لكنه أمسك بزمام القرار بيد من حديد، خاصة بعد محاولتي الانقلاب في 1971 و1972 اللتين واجههما بجرأة نادرة . ومع تقدمه في العمر، انفتح على المعارضة وعين منها رئيساً للحكومة، مفسحاً المجال لتجديد النظام .
خلاصة
إن الحسن الثاني لم يكن مجرد ملك حكم، بل كان مهندس الدولة الحديثة، استطاع بدهائه أن يحافظ على عرشه ويوحد بلده في زمن عصفت فيه رياح التغيير بالعديد من الأنظمة العربية. ترك إرثاً سياسياً عميقاً، ورحل لتبدأ مرحلة جديدة بقيادة نجله الملك محمد السادس، الذي يواصل البناء على أسس متينة من الحكمة والرؤية .



