في عمق التاريخ الروحي للمغرب، يبرز اسم الشيخ الكامل محمد الهادي بنعيسى كأحد أعظم رجالات التصوف وأقطاب التربية الروحية الذين تركوا أثراً خالداً تجاوز حدود الزمان والمكان. يعود الأصل الرفيع لهذا القطب الصوفي إلى الأشراف الأدارسة، ممتداً عبر سلسلة نسب شريفة تصل إلى المولى إدريس الثاني بن المولى إدريس الأكبر، ليتصل في منبعه الأسمى بآل بيت الرسول الكريم.
وتتعدد الروايات التاريخية والشفهية في تحديد مسقط رأسه، حيث يذهب المأثور الصوفي المتداول بين مريديه إلى أن ولادته ونشأة أجداده الأولى كانت برحاب الساقية الحمراء بالصحراء المغربية، وهي المنطقة التي شكلت مهداً ومنطلقاً لكبريات العائلات الشريفة، بينما تشير مصادر أخرى إلى ارتباط نشأته الأولى ببلاد سوس أو بجوار قبيلة سفيان العربية الهلالية العريقة ببلاد الغرب، حيث انصهرت عائلته الشريفة بالمصاهرة والجوار مع هذا المكون القبلي الكبير ذي البأس والمكانة التاريخية.
تلقى الشيخ الهادي بنعيسى علومه الشرعية وتلقينه الصوفي متنقلاً بين الحواضر العلمية، واكتسب معارف واسعة في الفقه والحديث والقرآن، إلى جانب تبحره في مسالك التربية الروحية، مما أهله ليحوز بين معاصريه ومريديه لقب “الشيخ الكامل”، دلالة على بلوغه رتبة عالية من الكمال التربوي والمعرفي. وقد قادته رحلته الروحية للاستقرار النهائي في مدينة مكناس خلال أواخر العهد الوطاسي وبداية الدولة السعدية، حيث أسس زاويته الشهيرة التي غدت مناراً للعلم، ومأوى للفقراء والمحتاجين، ومركزاً إشعاعياً انطلقت منه “الطريقة العيساوية” التي تميزت بأذكارها، وأورادها، وقدرتها الفائقة على جذب آلاف الأتباع والمريدين في مختلف ربوع المغرب والمغرب العربي كشمال إفريقيا. وظل الشيخ الكامل يربي النفوس ويوجه العباد إلى أن وافاه الأجل بمكناس، ليُدفن بها ويتحول ضريحه إلى مزار شهير ومعلمة روحية تعكس عمق التراث الصوفي المغربي وأصالته الممتدة.