بقلم: الحبيب نونو
منشط ثقافي ومخرج مسرحي
لسنا ضد أن تتحول المواقع التاريخية إلى فضاءات للفرجة والإبداع، ولسنا ضد توظيف أحدث تقنيات الصورة والإضاءة والإسقاطات الرقمية، بل إننا نعتبرها أدوات ضرورية لتجديد علاقة المواطن بذاكرته. لكننا نتساءل: أي ذاكرة نريد أن نستعيد؟ ومن يملك حق روايتها؟
إن الذاكرة لا تُنقل في الشاحنات، ولا تُستورد مع أجهزة الصوت والإضاءة، ولا تُختزل في عرض يمتد ساعة أو ساعتين ثم يرحل. الذاكرة تُبنى داخل الإنسان، وتتشكل عبر التربية، والممارسة الفنية، والتراكم الثقافي، والمشاركة المجتمعية.
إن ما تحتاجه أكادير، وما تحتاجه جهة سوس ماسة، ليس قافلة فنية متنقلة تأتي من المركز بكل تفاصيلها؛ بتقنييها، وسينوغرافيتها، وأزيائها، وموسيقاها، وأصواتها المسجلة، ثم تغادر بعد أيام تاركة الموقع التاريخي كما كان. ما تحتاجه الجهة هو مشروع دائم لإنتاج السردية الثقافية المحلية، سردية تنبع من تاريخ سوس، ومن لغتها، ومن موسيقاها، ومن عمارتها، ومن حكاياتها، ومن رموزها، ومن ذاكرتها الجماعية.
كيف يمكن الحديث عن تنمية ثقافية بينما يتم إقصاء أغلب الكفاءات المحلية من مراحل الإعداد والإنتاج؟ وكيف نقبل أن تتحول المؤسسات المنتخبة إلى ممول للإقامة والتغذية والنقل لفرق وافدة، في الوقت الذي يظل فيه الفنانون والتقنيون والباحثون المحليون على هامش المشروع؟
إن الاستثمار الحقيقي لا يكون في استقدام المعدات، بل في بناء الإنسان. كان الأولى أن تسبق أي عرض فني إقامات للإبداع، وورشات للكتابة، ولقاءات مع المؤرخين، وبرامج للتوثيق، وأن تنخرط المدارس، ودور الشباب، ودور الأحياء، والجمعيات الثقافية، والجامعات، والأطفال، واليافعون، والشباب، في إعادة اكتشاف تاريخ مدينتهم وصياغته فنياً.
فالسردية الثقافية لا تُكتب داخل مكتب شركة نالت صفقة، بل تُبنى داخل المجتمع نفسه، وتصبح ملكاً لأبنائه، يروونها في مدارسهم، وفي بيوتهم، وفي أحيائهم، قبل أن يقدموها للعالم.
إن السائح اليوم لا يبحث عن عرض يمكن أن يشاهده في أي مدينة، بل يبحث عن التجربة الأصيلة؛ عن الإنسان الذي يحكي تاريخه بنفسه، وعن الفنان الذي يجسد ذاكرة مكانه، وعن الموسيقى التي ولدت في هذه الأرض، وعن اللغة التي تشكلت بين جبالها وسهولها، وعن اللباس الذي يعكس شخصيتها الحضارية.
أما حين تتحول المواقع التاريخية إلى مجرد فضاءات للإبهار الضوئي، وتُغرق الأسوار في ألوان لا علاقة لها بروح المكان، وتُرافقها مؤثرات موسيقية مستوردة، فإننا ننتج فرجة قد تثير الانتباه لحظة، لكنها لا تصنع ذاكرة، ولا تبني هوية، ولا تؤسس لصناعة ثقافية مستدامة.
إن الصناعة الثقافية ليست حدثاً موسمياً، وليست حملة إشهارية على وسائل التواصل الاجتماعي، وليست بيع تذاكر خلال أسبوع. الصناعة الثقافية هي منظومة متكاملة، تبدأ من المدرسة، وتمر عبر التكوين والإبداع والإنتاج، وتنتهي بخلق فرص الشغل، وتثمين الرأسمال الثقافي، وتحويل التراث إلى مورد اقتصادي مستدام.
إن جهة سوس ماسة تزخر بفنانين، ومسرحيين، ورواة، وشعراء، وتقنيين، وحرفيين، وباحثين، وموسيقيين، ومبدعين قادرين على إنتاج نموذج ثقافي عالمي، إذا ما أتيحت لهم الثقة والإمكانات. أما استمرار استيراد المشاريع الجاهزة، فإنه لا يرسخ إلا التبعية الثقافية، ويكرس مركزية الإنتاج، ويحرم الجهة من حقها في بناء نموذجها الثقافي الخاص.
لقد شُيدت مؤسسات ثقافية عديدة، ودور للشباب، ودور للأحياء، وفضاءات للإبداع، لكنها تظل، في كثير من الأحيان، خارج أي مشروع استراتيجي لصناعة الذاكرة. وهذا هو الخلل الحقيقي؛ فبدل أن تتحول هذه الفضاءات إلى مختبرات لإنتاج سردية سوس، أصبحت المدينة تستورد منتوجها الثقافي جاهزاً، ثم تستهلكه لعدة أيام قبل أن تعود إلى الفراغ.
إن مستقبل الثقافة بجهة سوس ماسة لن يُبنى بالعروض العابرة، بل ببناء مشروع ثقافي ترابي طويل النفس، يجعل الإنسان المحلي محور العملية الإبداعية، ويمنح أبناء الجهة حقهم الطبيعي في كتابة تاريخهم بأصواتهم، وتجسيده بأجسادهم، وتقديمه للعالم بلغتهم الجمالية الخاصة.
فأكادير لا تحتاج إلى نوستالجيا مستوردة، بل تحتاج إلى سردية سوسية أصيلة، يصنعها أهل سوس، وتحكي للعالم قصة هذه الأرض كما عاشها أهلها، لا كما تخيلها الآخرون.
والسؤال جوهري المطروح على المسؤولين:
هل نحن أمام سياسة عمومية لبناء “السيادة الثقافية الجهوية”، أم أمام إعادة إنتاج للمركزية الثقافية في ثوب تقني جديد؟