في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الإصلاحات التنموية وتُعقد المؤشرات الاقتصادية لتقييم أداء الدول والجهات، يظل السؤال الأكثر حضوراً في الشارع المغربي هو: إلى أي مدى تعكس هذه المؤشرات الواقع المعيشي للمواطن في مختلف أرجاء المملكة؟ حديث المغاربة على منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، وإن كان يحمل طابعاً ساخراً، إلا أنه يفضي إلى نقاش جاد حول التفاوت في مستويات التنمية وارتباط ذلك بتدبير الزمن وساعات العمل.
جهات في “نهار” وجهات في “ليل”
تناولت المنشورات المتداولة واقعاً معاشاً يتمثل في تباين وتيرة النشاط الاقتصادي والخدماتي بين الجهات، وذهب البعض إلى وصفه ب “مؤشر الخدمة بالنهار والليل”، حيث تبرز جهات تبدو أكثر دينامية ونشاطاً، بينما تعاني أخرى، مثل جهة الشرق، من ركود يجعل “الحركة واقفة”، وفق التعبير المتداول.
هذا الطرح، رغم بساطته، يستند إلى معطيات موضوعية. فجهة الشرق، التي تمتد على مساحة شاسعة وتتوفر على مؤهلات طبيعية واقتصادية هامة كالبحر الأبيض المتوسط والمناطق الفلاحية الواسعة، تواجه تحديات هيكلية، حيث يظل الاعتماد على الفلاحة البورية والأنشطة التقليدية مرتفعاً في بعض أقاليمها، بينما تشهد مناطق أخرى، كالناظور ووجدة، تحولاً ملحوظاً، لكنه لا يرقى إلى مستوى طموحات سكانها .
وعلى الجانب الآخر، تُطرح جهة بني ملال-خنيفرة كنموذج للدينامية، حيث تشير التقارير إلى أنها حققت قفزة نوعية في مجالات الحكامة والتحول الرقمي والبنيات التحتية . هذا التفاوت يطرح إشكالية العدالة المجالية وتوزيع مكتسبات التنمية.
التوقيت وساعات العمل: بين النمط الإنتاجي والمعيشي
يتداخل هذا النقاش مع ملف شائك هو التوقيت الصيفي (GMT+1)، وهو ما يضفي أبعاداً صحية واقتصادية واجتماعية على الإشكال. فقد أثار موضوع الساعة الإضافية جدلاً واسعاً، حيث عبّر عدد كبير من المواطنين عن استيائهم من تأثيرها على جودة النوم والتركيز والإنتاجية، خاصة في فصل الشتاء . ويُعتبر هذا الملف نموذجاً على كيفية تأثير القرارات العمومية، التي قد تبدو تقنية، في حياة الناس اليومية وتفاوت تأثيراتها بين جهة وأخرى.
إن الإشارة إلى “جهات الخدمة بالنهار” هي في جوهرها إشارة إلى اقتصادات أكثر تنوعاً وانفتاحاً، بينما تشير “الجهات التي حافظت على موسم الحرث بالليل” إلى تمسكها بأنماط إنتاجية تقليدية، وهو ما يعكس، في جزء منه، محدودية فرص الشغل البديلة.
قراءة في المؤشرات: التنمية الشاملة لا تزال رهاناً
وبين هذا وذاك، يحتل المغرب مراتب متقدمة في بعض المؤشرات الدولية، ككونه رابع اقتصاد إفريقي كبير أقل تعرضاً للمخاطر ، أو احتلاله المرتبة 73 عالمياً في مؤشر الهجرة لعام 2026 . لكن هذه المؤشرات الكلية، وإن كانت إيجابية، لا ينبغي أن تحجب الفوارق الداخلية. فالحديث عن مكانة الدولة في المحافل الدولية لا ينفي الحاجة الملحة إلى معالجة التفاوتات الجهوية التي تجعل من “المؤشر” هاجساً يومياً لأبناء جهة الشرق أو بعض المناطق ببني ملال.
خلاصة القول: إن تباين مستويات التنمية بين الجهات المغربية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسياسات عمومية تحتاج إلى مراجعة. وتظل الجهوية المتقدمة هي الإطار الكفيل بتجاوز هذه الفجوات، لكن بشرط أن تترافق مع رؤية واضحة لتحفيز الاستثمار في المناطق الأقل حظاً، وربط ذلك بتدابير عملية، تبدأ بتقييم أثر قرارات مثل التوقيت الصيفي على الإنتاجية المحلية، وتنتهي بخلق فرص شغل حقيقية تجعل من “النهار” كله وقتاً للعمل والإنتاج.