“يقولون بدنا إبليس وما بدنا إدريس… اللهم استجب لهم”
هكذا كان رد الملك محمد إدريس السنوسي، أول وآخر ملوك ليبيا، حين بلغته هتافات المحتجين ضد حكمه في سنواته الأخيرة. كلمات قالها رجل تجاوز الثمانين، وثقُل سمعه، وأدرك أن رياح التغيير لا تعرف الرحمة. وبعد سنوات، حين قام معمر القذافي بانقلابه الشهير في سبتمبر 1969، تأكد كثيرون أن الدعوة التي رفعها الملك إلى ربه قد استُجيبت، وإن كان الثمن هو زوال عرشه ومغادرة بلاده إلى منفى لم ينتهِ إلا بقبر في البقيع.
من هو الملك إدريس؟
محمد إدريس بن المهدي السنوسي، ولد في 12 مارس 1890 في واحة الجغبوب شرقي ليبيا، ونشأ في أحضان الأسرة السنوسية التي كانت تمثل حركة دينية إصلاحية وسياسية في آن واحد. تولى زعامة الحركة السنوسية في عام 1916 بعد تنازل ابن عمه أحمد الشريف، ليبدأ رحلة طويلة مع السياسة والمقاومة والتفاوض، امتدت عبر الاحتلال الإيطالي والحربين العالميتين، حتى قاد بلاده نحو الاستقلال في 24 ديسمبر 1951، ليتوّج ملكًا على المملكة الليبية المتحدة.
الملك الزاهد: نموذج فريد بين الملوك
ما يميز الملك إدريس عن غيره من حكام عصره، تلك الصورة النادرة لملك عربي جمع بين السلطة والزهد، بين الحكم والتواضع. إنه نموذج يثير الدهشة في زمن باتت فيه صورة الملوك مرتبطة بالبذخ والترف.
رفض ألقاب التعظيم
كان إدريس أول ملك عربي يصدر مرسومًا بإلغاء لقب “صاحب الجلالة”، مؤكدًا أن هذا اللقب من خصائص الله وحده. بل إنه رفض تسمية ليبيا بـ”المملكة السنوسية”، متشبثًا بالهوية الوطنية الجامعة.
الحج على نفقته الخاصة
وعندما حان موسم الحج، أصر الملك إدريس على أداء الفريضة على نفقته الخاصة، رافضًا كل محاولات إقناعه بتحميل الدولة تكاليف الرحلة، ليكون بذلك أول ملك عربي يتخذ هذا الموقف.
قصوره للعلم، وليس للملك
في لفتة قل نظيرها، منح الملك إدريس قصره في البيضاء ليكون جامعة، وقصره في بنغازي ليكون جامعة أخرى، واضعًا العلم والتعليم في مقدمة أولويات الدولة على حساب مظاهر الترف الملكي.
العملة وصورته
ربما تكون أشهر حكايات تواضعه، تلك التي تتعلق بالعملة الوطنية. عندما فوجئ بإصدار عملة تحمل صورته دون علمه، غضب وأمر بإلغائها. وعندما أخبره الوزراء أن الإلغاء سيُكبد الخزانة خسائر بمليارات الجنيهات، سمح بتداولها لفترة محدودة، ثم أصدر عملة جديدة خالية من أي صورة له.
ملك بلد نفطي بلا حساب مصرفي!
في زمن أصبحت فيه ثروات الحكام حديث الساعة، يبقى الملك إدريس حالة فريدة. كشفت المصادر الموثوقة أن ملك ليبيا، الدولة النفطية الغنية، لم يكن يملك أي أرصدة أو حسابات مصرفية خارج البلاد. بل إن الأيام أثبتت أن الحكومة التركية هي التي تكفلت بدفع تكاليف الفندق الذي كان ينزل به بعد انقلاب سبتمبر، ودفعت مصاريف سفره إلى اليونان ثم إلى مصر، حيث عاش في منفاه حتى وفاته عام 1983.
كلمات زوجته شهادة للتاريخ
في رسالة مؤثرة كتبتها زوجته السيدة فاطمة بعد أيام من الانقلاب، وتحديدًا في 13 سبتمبر 1969، قالت: “إننا نحمد الله على أن تيجان الملكية لم تبهرنا قط، ولا نشعر بالأسف لفقدها، فنحن كنا دائمًا نعيش حياة متواضعة، ولم يغب عن أذهاننا مثل هذا اليوم، كما نحمد الله كثيرًا على أننا لا نملك مليمًا واحدًا في أي مصرف حتى يشغل بالنا المال”.
كلمات تختصر قصة رجل عاش في القصر كأنه في زاوية من زوايا التصوف، لم يملك من الدنيا إلا ما يكفيه، حتى في أوج سلطته.
نهاية الرحلة
توفي الملك إدريس في القاهرة في 25 مايو 1983 عن عمر يناهز 93 عامًا، ونُقل جثمانه بطائرة عسكرية خصصتها الحكومة المصرية إلى المدينة المنورة، حيث دُفن في مقبرة البقيع، بناء على وصيته.
والطريف أو المأساوي أن الملك قد حُكم عليه بالإعدام غيابيًا من قبل “محكمة الشعب الليبية” في نوفمبر 1971، ليظل حتى بعد رحيله عنوانًا للصراع بين تاريخين: تاريخ دولة المؤسسات والتواضع، وتاريخ آخر قاده من أطاح به.
خاتمة: التاريخ يعيد حساباته
اليوم، وبعد عقود من الانقلاب الذي قاده القذافي، وما تلاه من سنوات من الصراع والفوضى، يعيد الكثيرون قراءة تاريخ الملك إدريس بعيون مختلفة. فذلك الرجل الذي استهانوا به ووصفوه بالضعف والتخلف، كان يمتلك من الجرأة الأخلاقية ما يجعله مختلفًا عن كل من جاء بعده.
الملك إدريس، الذي قال عنه محتجوه “بدنا إبليس وما بدنا إدريس”، استجاب الله لدعائه، فسلط عليهم من هو شر من إبليس. أما هو، فقد رحل بضمير مرتاح، تاركًا خلفه سيرة نادرة لملك عربي لم تشغله أبهة الحكم عن جوهر الإنسانية.