عرش من ورق في البيت الأبيض السياسة تتحول إلى مرآة لنرجسية الحاكم

بقلم/ سيداتي بيدا
هل اصبح السياسي هو القاضي والخصم والشاهد في آن واحد، وحين يمنح نفسه تاج «الأعظم» ثم ينصّب الآخرين على درجات الفشل وفق ميزان شخصي لا علاقة له بالتاريخ ولا بالوقائع، فإننا لا نكون أمام قراءة سياسية عابرة، بل أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلاً. هكذا يبدو المشهد الذي يثيره دونالد ترمب كلما قرر إعادة كتابة التاريخ الأمريكي على مقاس صورته الشخصية.ففكرة تصنيف الرؤساء في هرم أو سلم للنجاح والفشل قد تبدو في ظاهرها لعبة سياسية أو مادة مثيرة لوسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تتحول إلى مسألة أكثر خطورة عندما تُستخدم لتقديم الانطباعات الشخصية باعتبارها حقائق تاريخية، ولتحويل رئاسة الولايات المتحدة إلى مسابقة في الولاء لشخص الرئيس بدل أن تكون سجلاً من المسؤوليات والإنجازات والإخفاقات.المشكلة ليست في أن يختلف ترمب مع خصومه السياسيين؛ فالاختلاف جزء أصيل من الديمقراطية الأمريكية. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى محاولة لمحو الخصم من سجل التاريخ، أو اختزال تجربته السياسية بأكملها في خانة «الفشل»، وكأن عقوداً من الأحداث والتحولات الاقتصادية والحروب والأزمات الاجتماعية والعلاقات الدولية يمكن اختصارها في حكم شخصي صادر عن سياسي لا يخفي خصومته مع من سبقه أو خالفه.والأكثر إثارة أن هذا المنطق لا يتوقف عند الخصوم الديمقراطيين، بل يمكن أن يطال أيضاً شخصيات من المعسكر الجمهوري نفسه. وهنا تتكشف المفارقة المعيار ليس الانتماء الحزبي وحده، وإنما مدى توافق الإرث السياسي مع الرواية التي يريد صاحب التصنيف فرضها على الجمهور.لكن التاريخ أكثر عناداً من الدعاية.فالرؤساء الأمريكيون لا تُقاس تجاربهم بمنشور عابر أو ترتيب شخصي، وإنما بما تركوه وراءهم من سياسات وقرارات وأزمات وإصلاحات وتأثيرات داخلية وخارجية. وقد يختلف المؤرخون في تقييمهم، لكنهم يستندون إلى الوثائق والوقائع والسياقات التاريخية، لا إلى مقدار الحب أو الكراهية تجاه شخصية سياسية معاصرة.الأخطر في هذه الظاهرة أن السياسة تتحول من نقاش حول مستقبل الدولة إلى معركة حول تضخيم صورة الفرد. وعندما يصبح السياسي منشغلاً بإثبات عظمته أكثر من انشغاله بإثبات نتائج سياساته، فإن السؤال لا يعود: ماذا أنجز؟ بل: لماذا يحتاج باستمرار إلى إقناع الآخرين بأنه أنجز؟في نهاية المطاف، لا أحد يستطيع إصدار حكم نهائي على نفسه في كتاب التاريخ. فالتاريخ لا يمنح الألقاب لمن يطلبها، ولا يسحبها ممن يكرههم السياسيون. الزمن وحده يملك سلطة الفرز.أما العروش التي تبنى بالكلمات، فقد تبدو شاهقة أمام الكاميرات، لكنها تسقط عندما تصطدم بجدار الواقع .



